تسهيلات قانونية لاحتضان الأطفال المشردين في مصر

استراتيجية تستهدف توسيع دائرة الأسر البديلة، وتربية الطفل في جو أسري تحميه من الاستغلال.
الاثنين 2018/12/17
في انتظار إنصاف المجتمع

تتجه الحكومة المصرية لتوسيع قاعدة الأسر البديلة، ضمن استراتيجية متكاملة تستهدف تخفيف الضغط العددي عن مؤسسات دور رعاية الأطفال اليتامى ومجهولي النسب وتوفير حياة كريمة لهم في غضون فترة قصيرة، وتحجيم نفوذ الجمعيات التي تستغلهم.

القاهرة - تمنح الاستراتيجية الجديدة الأسر الراغبة في حضانة الطفل تسهيلات غير مسبوقة، وأصبح بإمكان الأسرة أن تعرب عن رغبتها في رعاية طفل وكتابة مواصفاته، من خلال نموذج يرسل بالهاتف المحمول لتسريع الإجراءات.

وقالت وزارة التضامن الاجتماعي، إن “الكفالة عبر تقديم طلب إلكتروني، تستهدف تحفيز الأسر على حضانة الأطفال من دون تعقيدات إدارية، بما يسرع في توفير جو أسري لهؤلاء الصغار، لأن إقامة الطفل وسط أسرة بديلة أفضل من النواحي الاجتماعية والصحية والنفسية والسلوكية”.

وأصبح متاحا للأسرة أن تحدد شروط ومواصفات الطفل الذي تريد كفالته، من خلال التواصل مع وزارة التضامن إلكترونيا، لتعلم السن والبيئة التي كان يعيش فيها قبل دخوله دار الرعاية، لمعرفة ما إذا كان مجهول النسب أم ينتمي لأم محكوم عليها بالسجن ولا يجد من يرعاه، ثم تقوم لجنة متخصصة بزيارة بيت الأسرة لتحديد مدى استيفاء شروط الحضانة.

وتضاف هذه التسهيلات إلى جملة من القرارات التشجيعية لتحفيز الأهالي على احتضان الأطفال، وبات مسموحا للأرامل والمطلقات ومن لم يسبق لهن الزواج وبلغن 30 سنة، كفالة أطفال ورعايتهم داخل منازلهن، ويجوز استمرار الرعاية مع الأب البديل في حالة وفاة الأم.

وتضمنت التعديلات إمكانية الإعفاء من شرط استمرار الزواج لمدة ثلاث سنوات في حال ثبوت العقم الدائم لأحد الزوجين، مع التصريح لمن تجاوزوا سن الستين أن يتكفلوا برعاية طفل، بعد أن كان ذلك من المحظورات، فقد فرضت الشروط القديمة على الأسرة البديلة، التي يصاب فيها الزوج أو الزوجة بالعقم، أن يمر على زواجهما خمس سنوات.

وجود الطفل داخل أسرة، وإن كان غريبا عنها، يجعل منه شخصا سويّا متسقا مع ذاته ومحبا للآخرين، ولا يميل إلى العدوانية

وانحصرت الشروط في أن تتوفر لدى الأسرة مقومات النضج الأخلاقي والاجتماعي ويكون الزوجان (في حال عدم انفصالهما) من الحاصلين على شهادة الثانوية العامة على الأقل أو ما يعادلها، وتجتاز الأسرة الراغبة في الكفالة دورة تدريبية تنظمها وزارة التضامن الاجتماعي. وتم تخفيف شرط أن يكون الزوجان حاصلين على مؤهل جامعي للموافقة على حضانة طفل، فضلا عن إقامة الأسرة في منطقة راقية، تتوافر فيها أندية اجتماعية ومدارس متميزة، ومنزل بمواصفات خاصة يظهر القدرات المالية لأصحابه.

وذهبت دراسة أعدها مركز حقوق الطفل بمصر إلى أن سياسة التربية السليمة داخل دور الرعاية لا تكفي لتنشئة طفل سليم ينسجم مع المجتمع، لأن وجوده داخل أسرة، وإن كان غريبا عنها، يجعل منه شخصا سويّا متسقا مع ذاته ومحبا للآخرين، ولا يميل إلى العدوانية.

وتعرضت الحكومة قبل إقرار التسهيلات لضغوط من المنظمات المعنية بحقوق المرأة والطفل، لتخفيف شروط الأسر البديلة، ووصفوها بأنها ظالمة وعنصرية، ما استدعى وزارة التضامن لمراجعة موقفها، وتقديم تعديلات للحكومة، أقرتها مؤخرا.

وتستهدف الخطة الجديدة توفير الأسر البديلة للأطفال غير الشرعيين ومجهولي النسب الذين يتخلى عنهم ذووهم، والضالين الذين لا يمكنهم الإرشاد عن أسرهم وتعجز السلطات عن الاستدلال عليهم، والذين يتم حبس أمهاتهم في قضايا جنائية، حيث يتم إيداعهم بدار رعاية.

وتعلقت العديد من القضايا بدور الرعاية الاجتماعية على فترات متلاحقة، جراء وقائع التعذيب والانتهاكات الجسدية بحق الأطفال، لاستعانة بعض المؤسسات بعمالة غير مؤهلة توفيرا للنفقات، في حين تمنح الأسر البديلة للأطفال أجواء أسرية أكثر أمانا، لا سيما إذا كان الزوجان محرومين من الإنجاب.

واستفادت حنان مختار، صاحبة الثلاثين عاما، من التسهيلات التي أقرتها الحكومة بالسماح للمطلقات الشابات بكفالة طفل، وحققت حلمها في أن تكون أما، بعد خمس سنوات من انفصالها عن زوجها لعدم قدرتها على الإنجاب، وتقدمت أكثر من مرة لحضانة صغير، لكنها كانت تصطدم بشروط تعجيزية، قبل أن تستفيد من التيسيرات الجديدة.

مصر

وتنظر حنان، في حديثها مع “العرب” إلى أن تخفيف الشروط المرتبطة بكفالة طفل حل ينقذ الكثير من الأزواج والأرامل الذين حرموا من الإنجاب، كما ينعكس إيجابيا على الصغار، لأنهم سوف يعيشون في جو أسري أكثر أمانا واستقرارا من دور الرعاية.

وتقول الأم البديلة “جهل المجتمع بنظام الأسر البديلة والموقف السلبي من جانب المؤسسات الدينية، من الأسباب الرئيسية لتراجع معدلات حضانة الأطفال، ولا تكفي التسهيلات وحدها لتشجيع الأهالي، إذ يتطلب الأمر حملات توعوية لتعريف الناس بالمشروع، مع وجود دعم ديني منفتح ومتحضر يساند الفكرة، ويكف عن إصدار فتاوى متشددة مفادها أن حضانة الأطفال الغرباء من المحرمات”.

ويعتبر رجال دين أن احتضان الأسرة لطفل غريب وتربيته، حرام شرعا، بذريعة أنه سوف يطلع على جسد شخص يحل له الزواج منه، وهي نظرة جنسية بحتة، تتجاهل الأبعاد الإنسانية والنفسية والاجتماعية للصغار.

ويفسر حقوقيون في مجال الطفولة، تصعيد التيارات المتشددة دينيا ضد التسهيلات الممنوحة للأسر البديلة، بأن توجهات الحكومة توقف متاجرة دور رعاية الأطفال المملوكة للجمعيات الشرعية الإسلامية داخل المساجد، بالحصول على تبرعات بدون رقابة نظير استضافتهم ورعايتهم، حيث يتم استعطاف الناس وتوظيف ورقة اليتامى لجني أموال طائلة.

ويرى مؤسس جمعية حقوق الطفل المصري باسم سعيد، أن التوسع في نظام الأسر البديلة، يتطلب المزيد من التسهيلات والقرارات الحاسمة، لإقناع الأسر بكفالة الأطفال، مثل تخفيف الضرائب، أو منحهم مزايا مثل زيادة الدعم المقدم لهم، خاصة المطلقات والأرامل ومن لم يسبق لهن الزواج، مع تدشين حملة إعلامية واسعة للترويج للمشروع، لأن أكثر الأسر لا تعرف شيئا عن نظام الأسرة البديلة. وأضاف أن التسهيلات تتطلب رقابة على الأسر التي تحتضن طفلا، لأن تقليص عدد دور الرعاية مقابل التوسع في النظام البديل، لا يجب أن يكون على حساب الصغار وإجبارهم على العيش وسط أسر غير مقبولة بالنسبة لهم، لأن ذلك سيكون له تداعيات أخطر عن تربيتهم بلا عائلة.

21