تسونامي الإرهاب يضرب تونس ما بعد الثورة

"الانفجار الإرهابي" الذي عرفته تونس بعد ثورة 14 يناير 2011، لا يمنع من القول إن الظاهرة الإرهابية، المترتبة عن التشدد الديني، ليست وليدة لحظة الثورة، بل إن منطلقاتها تعود إلى حكم زين العابدين بن علي. لكن الفعل الإرهابي التونسي عرف منعرجا، بعد وصول التيار الإسلامي إلى السلطة ما وفر ضربا من الدعم المضمر للجماعات الجامحة.
الاثنين 2015/08/10
الخطاب المتطرف للإسلاميين في تونس استفاد من حالة الفوضى التي أعقبت الثورة للتمدد والانتشار

تونس- بدأت معركة الحرب على الإرهاب في تونس، بصفة مبكرة. بعد أشهر قليلة من حادثة 11 سبتمبر 2001. التي جعلت الولايات المتحدة تعلن في عهد الرئيس جورج دبليو بوش ما يسمى بـ”الحرب العالمية على الإرهاب”. إذ عمدت كتيبة إرهابية تابعة لتنظيم “القاعدة” إلى تفجير كنيس “الغريبة” اليهودي بجزيرة جربة السياحية، في 11 أبريل 2002، نجم عنه قتل عدد من السياح والتونسيين.

رغم محاولة السلطات التونسية إبراز ما حصل على أنه حادث عادي، فإن التحقيقات الغربية، وخصوصاً الألمانية، أكدت أن تفجير كنيس الغريبة اليهودي، هو عمل إرهابي، من قبل جماعة تنتمي إلى تنظيم القاعدة.

هنا نذكّر بأن السلطات التونسية، طيلة فترة حكم زين العابدين بن علي، لم تكن تمتلك استراتيجية لمقاومة الإرهاب، باستثناء التركيز على الجانب الأمني. وهو وضع استمر حتى في ظل حكومات ما بعد الثورة، التي عجزت عن صياغة رؤية استراتيجية لمحاربة الإرهاب، تكون محل تعاقد وقبول من قبل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين كافة، وكذلك النخب والجمعيات الأهلية.

وفي غمرة الاستفادة من توظيف المناخ الدولي المعادي للإرهاب، حاول نظام بن علي تحقيق أكثر ما يمكن من الاستفادة، عبر الانخراط في الحرب “الكونية” الأميركية على هذه الظاهرة، مما جعله يستفيد من منح وهبات، إضافة إلى حصوله على أجهزة وتقنيات لوجيستية وفنية للحرب على الظاهرة في الأرض. كما كان أول من بادر بسن قانون في 10 ديسمبر 2003، تحت عنوان “قانون رقم (75) بتاريخ 10 ديسمبر 2003 يتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال”.

كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم بعد الثورة، عجزت عن وضع استراتيجية شاملة لمقاومة ظاهرة الإرهاب

وبالرغم من بعض الأصوات المعارضة، خاصة الحقوقية منها، فإن النظام التونسي مرر القانون، الذي مكنه من زيادة تمتين قبضته الحديدية، على كل معارضيه، لا المتطرفين والإرهابيين فقط.

مثلت حادثة ما يعرف بـ”مجموعة سليمان” (أبريل 2006)، التي تمثلت في حصول مواجهات عسكرية بين “كتيبة إرهابية” وقوات الأمن والجيش التونسيين، في مدينة “سليمان” أول مواجهة مسلحة بين النظام التونسي والجماعات الدينية المتشددة. حينها وجد الأمن التونسي صعوبات في القضاء عليهم. وهي عملية أخرجت “الجهاديين” من السرية إلى “العلنية”.

ولئن كانت العمليات الإرهابية خلال فترة حكم زين العابدين بن علي معزولة، فإنها عرفت “انفجارا” بعد ثورة 14 يناير 2011 يشبه “التسونامي”، لتدخل تونس في حرب حقيقية مع هذه الظاهرة التي أصبحت تهدد وحدة واستقرار المجتمع والدولة. وذلك بسبب الفراغ الأمني وضعف المؤسسات، وشيوع الفوضى في المنطقة بأسرها.

كما عرفت فترة صعود “الإخوان” للسلطة في تونس (2012-2014)، حصول تراخ، وصل إلى درجة التواطؤ مع الجماعات الدينية المتشددة، التي كانت تعد العدة للانقلاب على النمط المجتمعي، والانقضاض على السلطة. التي انتقلت بعد خطاب مخاتل مفاده أن تونس “أرض دعوة” إلى ممارسة العنف والدعوة لـ”الجهاد”.

ويستند أنصار هذا الرأي، إلى تصريح شهير لراشد الغنوشي، (زعيم النهضة) استنكر فيه الدعوات إلى تطبيق القانون على تجاوزات أنصار التيار السلفي، خلال فترة حكم “النهضة”. مشيرا -أيضا- إلى أن “الشباب السلفي يذكرني بشبابي (…) وإنهم يبشرون بثقافة جديدة”. لكن تحول هذا التيار إلى ممارسة العنف، أجبر “النهضة” الحاكمة على تصنيف “أنصار الشريعة” كتنظيم إرهابي. كما اعترف الغنوشي بأن “أنصار الشريعة خدعوه كما خدعوا المجتمع”.

التمدد السلفي الجهادي عجل برحيل حكم “النهضة” الإسلامي، خاصة بعد تعمد هذه الجماعات الهيمنة على الفضاءات العامة

في دراسة له بعنوان “الإرهاب المعولم… المقاتلون في سوريا نموذجا”، أشار الباحث في التاريخ الحديث عبداللطيف الحناشي، إلى أن نشاط التيار الجهادي ازداد في تونس منذ أواخر التسعينات من القرن الماضي، بعد انضمام عدد مهم من الشباب إلى تنظيم طالبان، وتكوين معسكر خاص بهم (معسكر التوانسة) من قبل سيف الله بن حسين المكنى بـ”أبي عياض التونسي”، وظل بعضهم في أفغانستان، في ما بعد، في حين انتقل البعض الآخر إلى بؤر التوتر في الشيشان والبوسنة والهرسك.

كما عجل “التمدد السلفي الجهادي” برحيل حكم “النهضة” الإسلامي، خاصة بعد تعمد هذه الجماعات الهيمنة على الفضاءات العامة، ثم المرور إلى العنف المنظم، ومحاولة تغيير النمط المجتمعي بالقوة.

وجاءت حادثة الهجوم على مقر السفارة الأميركية بتونس يوم 14 سبتمبر 2012، والتي تمثلت في “اقتحام محتجين من التيار السلفي الجهادي لحرمة السفارة، احتجاجا على عرض فيلم مسيء للرسول، لتنهي شهر العسل بين الولايات المتحدة الأميركية وحكومة الإسلاميين في تونس. ومن يومها بدأت الإدارة الأميركية تدير ظهرها للنهضة وحكومتها”.

حصل هذا “الانفجار الإرهابي”، خلال السنوات التي أعقبت ثورة 14 يناير 2011، وفي المقابل نجد أن كل الحكومات التي تعاقبت على الحكم بعد ذلك، عجزت عن وضع استراتيجية شاملة لمقاومة ظاهرة الإرهاب، الذي مر إلى السرعة القصوى.

خلاصة من بحث منذر ضيافي “استراتيجية محاربو الإرهاب في تونس”، ضمن الكتاب 102 (يونيو 2015) “مكافحة الإرهاب المفاهيم والاستراتيجيات والنماذج” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13