تسوية روسية في الغوطة الشرقية بتكلفة دموية

إيران لا يتحقق نفوذها إلا بالتطييف والتهجير الديموغرافي؛ ويبدو أن روسيا بإبقائها السكان المحليين، وربما لاحقا عودة من نزح من الغوطة، لا تريد احتمال أن تكون هذه المناطق تحت النفوذ الإيراني.
الأحد 2018/03/25
عملية انتهت بالتسويات

بدأ النظام السوري، مدعوما بروسيا، الحملة العسكرية المكثّفة على الغوطة الشرقية في الـ18 من فبراير الماضي. وكانت موسكو تريد السيطرة عليها بأقصر الطرق، لكسب الوقت وقطع الطريق على احتمالات توجيه أميركا ضربة عسكرية عقابية.

تأتي أهمية الغوطة الشرقية من كونها تمثل معقل المعارضة الأبرز، والذي يبعد عن القصر الجمهوري بضعة كيلومترات؛ ورغم أن الفصائل المتواجدة بها، كانت تتلقى الدعم من أطراف إقليمية، إلا أنها لم تكن محسوبة مطلقا على أي من القوى الدولية المتدخلة في الشأن السوري. كما أنّ روسيا لم تتمكن من إخضاعها سياسيا عبر أستانة، وتلك الفصائل رفضت الذهاب إلى سوتشي.

وإذا كانت قوة تلك الفصائل تكمن في قدرتها على الاستقلالية، فإن ضعفها يتمثل في تناحرها على مناطق النفوذ، والذي وصل إلى حدّ نشوب حروب دامية بينها في الفترة الأخيرة، أدت إلى اقتسام الغوطة إلى ثلاث مناطق رئيسية؛ دوما وريفها حيث جيش الإسلام، والقطاع الأوسط القريب من دمشق حيث فيلق الرحمن، وأحرار الشام في حرستا.

ولم تتمكن قوات العميد في جيش النظام، سهيل الحسن، المحسوبة على روسيا، من إحراز تقدّم برّيّ، إذ كان يُقتَل من أفرادها العشرات في كل محاولة اقتحام؛ لذلك عملت روسيا على استراتيجية متعددة المحاور لإضعاف الفصائل وإجبارها على الرضوخ:

فأولا قامت بقصف مكثّف وشامل وبأسلحة محرمة دوليا لمناطق نفوذ فيلق الرحمن، استهدف التجمعات المدنية والمشافي ومستودعات الأغذية وحتى الملاجئ، لخلق تململ ضمن الحاضنة الشعبية والضغط على الفصائل لقبول التسوية.

وثانيا، تمكنت عبر خط جوي ناري من فصل دوما والقطاع الشرقي عن جيوب فيلق الرحمن لمنع احتمال تواصلها. وفي نفس الوقت كانت تجري التسويات بين الدول الضامنة لتسليم عفرين إلى تركيا، مقابل ترك الغوطة لروسيا؛ فقد انسحب فيلق الرحمن من بلدات حمورية وكفربطنا ومسرابا وسقبا، تاركا مدنييها في الأقبية للنظام والروس.

وترافق ذلك مع حملة إعلامية تُظهر روسيا والنظام منتصرَين، حيث تم توفير ممرات إنسانية آمنة لخروج المدنيين، وقامت وسائل الإعلام ببثّ مباشر طيلة الأيام الماضية لعمليات نزوح أكثر من 80 ألف مدني؛ وبالطبع استغلها الأسد إعلاميا، حيث ظهر في تلك البوابات وهو يستقبل النازحين الذين هتفوا بحياته. كل ذلك ساهم في انهيار معنويات الفصائل والبيئة الحاضنة لها.

كانت الفصائل تقاوم التّوغّل المحتمل للروس والنظام، لكنّها بالتوازي كانت تفاوض الروس. حيث انتهت مفاوضات أحرار الشام في حرستا إلى تسليمها للنظام مقابل خروج آمن لـ1500 مقاتل، وتسليم أسلحتهم، إضافة إلى 8000 مدني، وبقاء 10 آلاف آخرين تتعهد روسيا بعدم تعرض ميليشيات النظام لهم. وفي دوما حاول جيش الإسلام كسر الخط الفاصل مع القطاع الأوسط عبر سيطرته على مدينة مسرابا، ما دفع النظام إلى قصف مدنيي دوما، والبالغ عددهم 150 ألفا.

خرج قرابة 800 مدني من معبر مخيم الوافدين إلى مناطق النظام، رغم رفض جيش الإسلام لذلك؛ ولإيقاف استمرار نزوح المدنيين، أعلنت القيادة الموحدة التي يقودها جيش الإسلام عن اقتراب التوصل إلى تسوية مع الروس، تقضي ببقاء الأهالي، وعودة مؤسسات النظام، وتسوية أوضاع من يريدون البقاء، وخروج آمن، لمن يريدون، إلى الشمال السوري بعد تسليم أسلحتهم الثقيلة.

بقي جيب فيلق الرحمن في القطاع الأوسط والجنوبي، حيث تضم بلداته؛ عربين وزملكا وعين ترما، قرابة 100 ألف مدني، فقد ظلّ يتعرّض للقصف الروسي المكثّف بالنابالم والفوسفور، بالتوازي مع الإعداد للمفاوضات.

بالفعل، صبيحة الجمعة 23 مارس الجاري، توقّف القصف الروسي بعد ليلة دامية، وبدأت المفاوضات في دمشق بين فيلق الرحمن وروسيا بحضور مندوب المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، وغياب النظام، ويبدو أن هذه المفاوضات ستكون على غرار مثيلاتها في دوما وحرستا.

العملية العسكرية الروسية في الغوطة، التي استغرقت أكثر من شهر، خلّفت قرابة 1700 قتيل من المدنيين، بالإضافة إلى الآلاف من الجرحى، رغم قرار الهدنة التي أوصى بها مجلس الأمن؛ لكنها انتهت بالتسويات التي ذكرناها أعلاه. يتضح لنا أن الاستراتيجية الروسية فتحت الباب أمام الفصائل للتسوية معها، وقبلت ببقاء المدنيين في مدنهم؛ على عكس ما كان يسعى له النظام وإيران، وما فعلاه طيلة سنوات الثورة، أي تبني السياسة العدمية والانتقامية والتهجير الكامل، كما حصل في القصير وحمص وداريا والزبداني وحلب وغيرها.

إيران لا يتحقق نفوذها إلا بالتطييف والتهجير الديموغرافي؛ ويبدو أن روسيا بإبقائها السكان المحليين، وربما لاحقا عودة من نزح من الغوطة، لا تريد احتمال أن تكون هذه المناطق تحت النفوذ الإيراني، كما أن روسيا قد تستغلها للضغط على النظام، ومن المتوقع أن تشكّل كتائب تابعة لها، من مقاتلي الفصائل الذين فضّلوا البقاء ومن متطوعين آخرين.

أما الفصائل المقاتلة والمفاوضة للروس، فقد عجز النظام عن إضعافها في السابق، رغم تراجع الدعم الذي تتلقاه، ورغم الاقتتال بينها. ويبدو أن انصياعها لإرادة الروس، يعود إلى ضعف معنوياتها بعد سلسلة الانكسارات في الثورة، وتقدم النظام بدعم روسي وإيراني؛ إذ الغوطة الشرقية كانت معقل المعارضة الأكثر ثقلا وصعوبة وأهمية بالنسبة للنظام وحليفتيه روسيا وإيران.

أما الغرب الأوروبي- الأميركي الذي ظلّ يُصعّد في تصريحاته وخطاباته في مجلس الأمن حول حماية مدنيي الغوطة، فهو لم يقدّم الدعم الكامل والمباشر للمعارضة والتدخل الحاسم لإسقاط النظام، بسبب غياب بديل جاهز للأسد. فهو يستغل مأساة الغوطة للضغط على روسيا وخلق عزلة دولية حولها، باعتبارها مرتكبة لجرائم حرب، وهدفه لا يتعدى فرض المزيد من العقوبات الاقتصادية عليها.

5