تسوية مريرة في انتظار الحوثيين

السبت 2015/04/25

بعد أقل من شهر على إطلاق عملية “عاصفة الحزم” في اليمن التي تخللها قصف مكثف لمواقع جماعة الحوثي وقوات الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح، انتقل التحالف العربي بقيادة المملكة السعودية خطوة إلى الأمام بإطلاق عملية “إعادة الأمل”، الأمر الذي يشير ربما إلى بداية نضوج بعض المبادرات السياسية، بما قد يسفر عن حل سياسي يجنّب التحالف العربي تدخلا عسكريا بريا يبدو محتوما في حالة رفض الحوثيين وصالح للتسوية السياسية.

حتى الآن يبدو الرفض واضحا بسبب عدم إيقاف تحالف الحوثيين- صالح لمحاولات التوسع نحو مزيد من البلدات والمدن اليمنية ومواصلتهم القتال، ما دفع التحالف العربي الذي بدا أنه أعلن انتهاء عمليات القصف الجوي إلى استئنافها، وذلك لمنع أي أفضلية يمكن أن يحققها الخصم قبل التوصل إلى حل سياسي يجري إنضاجه وراء الكواليس. الحل سيكون مريرا على الحوثيين وصالح، إذ يبدو أن المبادرات المطروحة تجمع على ضرورة انسحابهم من كل المدن التي احتلوها وتسليم الأسلحة الثقيلة، وهو ما يؤخر القبول به أو يمنعه في نهاية المطاف، في حال لم تمارس إيران ضغوطا جدية على أتباعها.

لكن الضغوط الإيرانية مرجحة، وذلك بسبب ضغوط مماثلة تمارسها دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة على إيران. فضلا عن استعداد التحالف العربي على ما يبدو للدخول في عملية عسكرية برية في حالة استعصاء الحل السياسي.

يبدو مفهوما جدا اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بالمسألة اليمنية، وخصوصا اهتمام المملكة العربية السعودية باليمن وهي التي تشاركها حدودا طويلة تتجاوز 1500 كيلومتر، فضلا عن توسع جماعة الحوثي التي ترتبط بعلاقات وطيدة مع إيران تصل إلى حدود التبعية المباشرة. ولكن، ما الذي يثير اهتمام دول العالم باليمن؟ وهو البلد الفقير الذي يعاني من تدهور حاد في الموارد المائية والنفطية، والمثقل بنحو 26 مليون نسمة يعيش نحو 65 في المئة منهم تحت خط الفقر. هذا فضلا عن أرضية تاريخية غنيّة بالانقسامات العشائرية والدينية والمذهبية لا تشجع على التورط في مسألة معقدة كالمسألة اليمنية.

لكن الأهمية الاستثنائية لموقع اليمن تعتبر عنصرا حاسما في استقطاب الاهتمام الدولي، وخصوصا الاهتمام بمصير مضيق باب المندب الإستراتيجي بين خليج عدن والبحر الأحمر بما يمنع وقوعه تحت سيطرة الحوثيين.

في العام 2013، مر نحو 3.8 مليون برميل نفطي، يوميا، عبر مضيق باب المندب باتجاه أوروبا وأميركا وآسيا، وشكل ذلك زيادة ملحوظة عن العام 2009 حيث كان يمر 2.9 مليون برميل يوميا. كما أن أي تهديد حقيقي لمضيق باب المندب يعني وقف استخدام قناة السويس، وبالتالي توقف التدفق اليومي للبترول.

كما تعتبر منطقة الخليج العربي بصورة عامة، وهي تعوم على بحر من الطاقة، منطقة إستراتيجية لدول العالم وللولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يعزز الاهتمام الدولي بالصراع في اليمن الذي يمكن أن يؤثر بدرجة ما على الاستقرار في دول الخليج العربي. وحسب إدارة معلومات الطاقة (EIA)، ساهمت دول مجلس التعاون الخليجي بأكثر من 24 في المئة من إنتاج النفط العالمي في العام 2013، بنحو 22 مليون برميل يوميا، فيما تنتج إيران 3.5 مليون برميل يوميا فقط.

إن استمرار حركة ناقلات النفط والغاز من الخليج، وعبر مضيق هرمز، هو أمر حيوي لتأمين احتياجات العالم من الطاقة. تصدر قطر عبر مضيق هرمز نحو 30 في المئة من إجمالي تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وفي شهر نوفمبر من العام الماضي 2014، مر عبر مضيق هرمز نحو 167 مليون برميل نفط، حسب إدارة معلومات الطاقة، وبهذا يكون مضيق هرمز أهم ممر للنفط في العالم. وقد تدفق من خلال هذا المضيق في العام 2013 نحو 30 في المئة من مجمل التجارة النفطية المنقولة عبر البحر. لا يذهب ذلك النفط مباشرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإنما إلى دول آسيوية في مقدمتها اليابان والصين وكوريا الجنوبية والهند ليغذي صناعة منتجات لا تحصى، يجري تصديرها إلى جميع دول العالم بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا التي تعتمد بصورة كبيرة جدا على منتجات البلدان الصناعية في آسيا، إلى درجة أن نصيب النفط من مجمل الصادرات الأميركية يقتصر على 8 في المئة، فيما تستحوذ المنتجات المصنعة المستوردة من الصين واليابان وكوريا الجنوبية على نحو 35 في المئة من الصادرات الأميركية.

من هنا تدفع كل من أميركا وأوروبا إلى إنهاء العمل العسكري في اليمن، والانتقال إلى “إعادة الأمل” للمسار السياسي، وذلك بممارسة ضغوط شديدة على إيران. الأمر الذي لا يضير المملكة العربية السعودية في شيء، طالما أن أي مبادرة سياسية يجب أن تتضمن انسحاب قوات الحوثيين – صالح، وعودة الرئيس المنتخب عبدربه منصور هادي ليقود البلاد من العاصمة صنعاء. هي تسوية سياسية مريرة وبطعم العلقم بالنسبة إلى الحوثيين وإيران، ولا يبدو حتى الآن أنهم مهيأون لتجرعها.

كاتب فلسطيني سوري

8