تسوية مستعصية في إدلب

ليس بإمكان روسيا الاستفراد بالملف السوري في ظلّ التواجد الأميركي على الأرض في شرقي الفرات، وبشكل غير مباشر في إدلب والجنوب، وفي ظلّ الدور الإيراني المنافس على الاستثمارات، والدور التركي المتحكم في جزء من المعارضة والمؤثر في جزء آخر.
الأحد 2019/06/16
البحث عن تحالفات جديدة

قاربت الحملة الجوية والعسكرية التي يشنها النظام وروسيا على إدلب وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشمالي على إعلان فشلها. فضّلت كل من روسيا والنظام جسّ نبض الفصائل المعارضة المسلحة، ومعها تركيا والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، باتجاه عقد هدنة مؤقتة. تحدث الإعلام الروسي والإعلام الموالي للنظام عن سريان هذه الهدنة، في حين أن القصف المدفعي من ميليشيات النظام المتمركزة في القواعد الروسية، والقصف الجوي من الطائرات الروسية لم يتوقف، بدليل استهداف نقطة مراقبة تركية في جبل الزاوية بصاروخ انطلق من ريف حماة الواقعة تحت سيطرة روسيا.

استهداف النقطة التركية هو رسالة روسية لأنقرة للضغط على الفصائل المعارضة للقبول باتفاق سوتشي معدّل؛ هذه الفصائل ترفض هكذا هدنة، بعد أن استجمعت قواها وانتقلت من وضع الدفاع إلى الهجوم، وقلبت المعادلة العسكرية على الأرض على رأس الروس وجيش النظام، وبالتالي خلطت الأوراق أمامهم، وأوقعتهم في ورطة وحيرة.

أبرز فصائل المعارضة المشاركة في العمليات في شمالي حماه هي جيش العزة وفصائل من “الجبهة الوطنية للتحرير”، ومعظم أفرادها ينتمون إلى تلك المناطق، وقد انضم إليهم الآلاف من المتطوعين من أبناء المنطقة، بحماسة كبيرة لردع الهجوم البري لقوات النظام المدعومة من روسيا، وأبرزها الفيلق الخامس وقوات النمر.

وهناك مشاركة خجولة لهيئة تحرير الشام، رغم أنها ضمن غرفة العمليات المشتركة، في حين أن فيلق الشام الخاضع للقرار التركي لا يشارك رسميا، إلا بأفراد ينتمون إلى تلك المناطق، وظل يتأهّب بالقرب من منطقة تل رفعت وعلى تخوم الفرات لمعركة محتملة ضد وحدات الحماية الكردية، قد تحتاج إليها تركيا.

تركيا تدعم الفصائل المعارضة سرّا، رغم أن تصريحاتها ظلّت في حدود الدبلوماسية، والالتزام باتفاق سوتشي لمنطقة خفض التصعيد، وأعلنت قبولها بالهدنة الروسية ووقف إطلاق النار، شريطة عودة قوات النظام إلى حدود ما قبل 6 مايو الماضي، أي التخلي عن المناطق الاستراتيجية التي سيطرت عليها مؤخرا، في كفرنبوذة شمال حماه، وبلدة قلعة المضيق الاستراتيجية شمال غربي حماه، وبالتالي إقرار روسي بالهزيمة أمام الفصائل المعارضة، وإعطاء تركيا نقطة قوة لصالحها.

والولايات المتحدة حاضرة في معركة إدلب، بقوة السلاح النوعي الذي حصلت عليه الفصائل، من المدافع الثقيلة وصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيرة دون طيار. ويدعم الموقف الأميركي والتركي موقف أوروبي لا يريد كارثة إنسانية في إدلب تتسبب بموجات نزوح جديدة إلى أراضيها.

الفصائل استشعرت قوتها، والدعم الدبلوماسي لها، وضعف الميليشيات التي تعتمد عليها روسيا، وبات هناك رأي يتصاعد ضمنها يرفض الهدنة، ويميل إلى متابعة الهجوم، بدلاً من أن يظلّ ورقة بيد تركيا وواشنطن الراغبتين بالبقاء في حدود سوتشي.

أما روسيا، فهي في موقف صعب، بعد فشل رهانها عل قوات النظام، خاصة بعد إبعادها الميليشيات الإيرانية وفرق الجيش المرتبطة بإيران، عن المنطقة، وبالتالي أمام روسيا إما مواصلة حرب الاستنزاف التي يذهب ضحيتها يوميا المئات من المقاتلين من الطرفين، واختبار إمكانية رفع وتيرة القصف الجوي، دون اعتراض دولي، وإما أن عليها الرضوخ للمطالب التركية، والعودة إلى اتفاق خفض التصعيد.

يجري هذه الأيام سباق محموم من المساومات المتشابكة، ومحاولة عقد الصفقات والتحالفات، بين الأطراف الفاعلة في الملف السوري؛ ويبدو أن التسوية في إدلب وإيقاف الحرب، مرهونة بتسوية نهائية تتحدد فيها حصة كل طرف من هذه الأطراف من الكعكة السورية.

موسكو وواشنطن الطرفان الأقوى في اللعبة، واتفاقهما شرط أساسي للوصول إلى حل للأزمة السورية، فيما يبدو أن بقية الأطراف المتدخلة، إيران وتركيا، أوراق للمساومة أكثر من كونهما أطرافا مقررة، خاصة مع رفض أميركي وإسرائيلي وعربي للنفوذ الإيراني على الأراضي السورية، ورغبة روسية، باتت علنية، في تحجيمه، ومع رغبة عربية وأوروبية بتحجيم النفوذ التركي أيضاً، يدعمها سوء العلاقات الدبلوماسية التركية- الإسرائيلية، ورغبة روسية في السيطرة على كل الأرض السورية، وفتح الطرق الدولية، وتأمين محيط قاعدة حميميم في اللاذقية.

وإذا كانت واشنطن تدعم أنقرة في ملف إدلب، فهي غاضبة منها أيضا في ما يتعلق بالمضي بصفقة أس-400 مع موسكو، وقد أقر بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رغم أنها ستعرّضه لمضايقات أميركية قد تهدد بقاءه في الحكم، مع وجود مشاكل اقتصادية وسياسية داخلية، برزت في انتخابات بلدية إسطنبول. فالصفقة الروسية أكثر ضمانة لتركيا من صفقة الباتريوت الأميركية، التي تخشى أنقرة رفض الكونغرس لها في أي وقت، فضلا عن رفض أوروبي لمشاركة تركيا في حلف شمال الأطلسي.

في نفس الوقت، تطالب واشنطن أنقرة الالتزام بما يتعلق بالعقوبات المفروضة على طهران، وتريد منها القبول بسيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مناطق شرق الفرات، مع صيغة تراعي مخاوفها الأمنية، وتقريب القوات المسيطرة شرق الفرات من القوات العربية الخاضعة لتركيا، لتقوية موقف المعارضة في العودة إلى اتفاق جنيف.

بينما، تتطلع روسيا إلى الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، حيث موارد النفط والغاز والثروات الطبيعية، وهي متضايقة من التقارب التركي- الأميركي، وقد سرّعت من صفقة أس- 400 مع تركيا، لضرب ذلك التقارب، وصعدت من الهجوم في إدلب، وهي تراهن على نتائج الاجتماع الأمني المزمع عقده في تل أبيب بحضور مستشاري الأمن القومي، الروسي والأميركي والإسرائيلي، حيث ستكون أول أهدافه تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا، فيما الغاية الثانية تحجيم دور تركيا، والهدفان مدعومان بموقف عربي رافض لنفوذ الدولتين الإقليميتين.

إذا، ليس بإمكان روسيا، وهي الطرف الأقوى بالملف السوري، الاستفراد بهذا الملف، في ظلّ التواجد الأميركي على الأرض في شرقي الفرات، وبشكل غير مباشر في إدلب والجنوب، وفي ظلّ الدور الإيراني المنافس لموسكو على الاستثمارات، والدور التركي المتحكم في جزء من المعارضة، والمؤثر في جزء آخر.

وقد أخطأت موسكو برهانها الكلي على النظام، ولم تخترق كيانات المعارضة بقصد جذبها إليها، بل لضربها عبر منصة موسكو وغيرها، وبالتالي ليس بيدها إيجاد مدخل للحل الذي يبقي على هذا النظام، إلا بالبحث عن تحالفات جديدة، ربما تجدها إذا ما أثمرت نتائج الاجتماع الأمني الثلاثي في تل أبيب.

4