تسويق حكومي لمهام الجيش الجزائري خارج الحدود

السلطة الجزائرية لا زالت غير مطمئنة للخيار الجديد، في ظل استمرار اللغط حول التغير الجذري في عقيدة المؤسسة العسكرية.
الأحد 2020/09/13
توجس جزائري من مغامرات خارجية محفوفة بالمخاطر

مع إقرار برلمان الجزائر نهائيا مشروع تعديل الدستور، وجه وزير العدل بلقاسم زغماتي رسائل طمأنة للشارع ينفي من خلالها التوقعات بتسريع الدستور الجديد لمشاركة الجيش خارج حدوده، مشيرا إلى أن ”الأمر سيقتصر على المساهمة في جهود حفظ السلام”، لتعكس هذه التصريحات بذلك تردد السلطة وتوجسها من التورط في مستنقع الصراعات الإقليمية.

الجزائر - أوحت مرافعة وزير العدل الجزائري أمام نواب الغرفة الثانية للبرلمان، حول دور ومهام الجيش الجزائري بموجب الدستور الجديد للبلاد، إلى أن السلطة لا زالت غير مطمئنة للخيار الجديد، في ظل استمرار اللغط حول التغير الجذري في عقيدة المؤسسة العسكرية، وإمكانية توريطها في مستنقعات خطيرة بالمنطقة، لتكون بذلك الدركي الذي يدافع عن مصالح الآخرين في بؤر صراع مستعصية.

وصرح وزير العدل بلقاسم زغماتي، أمام نواب الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الأمة) على هامش عرض الوثيقة الدستورية الجديدة، قبل الذهاب إلى استفتاء شعبي عليها في مطلع نوفمبر المقبل، بأن “رفع الحظر عن مشاركة الجيش في عمليات بالخارج، لا يعني المشاركة في حروب، وإنما التدخل لحفظ السلم بعد انتهائها”.

واعتبر البند الجديد في دستور البلاد، أبرز تحول سياسي قريب في مسار الجزائر، التي كانت تتمسك بالعقيدة الدفاعية لجيشها، وتحظر تخطيه لحدوده الجغرافية، بدعوى “الوفاء لأدبيات ثورتها التحريرية ومبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين”، قبل أن تتم دسترة رفع الحظر وفتح المجال أمام مهام جديدة لجيشها في العالم والمنطقة على وجه الخصوص.

وذكر بلقاسم زغماتي، في كلمة أفرد حيزا كبيرا منها للمرافعة لصالح خيار رفع الحظر، بأن “الأمر لا يتعلق بخوض حرب.. نتدخل عندما تنتهي حالة الحرب وتحت غطاءات منظمات دولية وإقليمية”، في إشارة لمهام الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

وأضاف “أفراد الجيش الذين ينتقلون في مهمة من هذا النوع ليس للحرب، وإنما العكس تماما هو الحفاظ على السلم.. هذا مبدأ ثابت في دستورنا منذ الاستقلال (1962) إلى اليوم، فجيشنا لا يخوض حروبا خارج التراب الوطني”.

وباستثناء مشاركة الجيش الجزائري في الحروب العربية – الإسرائيلية في 1967 و1973، لم يسجل له أي حضور في أي مستنقع حربي، وكانت مغادرته للتراب الوطني في مهام إنسانية نادرة.

وربط المؤيدون لرفع الحظر الدستوري، بالتهديد الذي يطال المصالح الجزائرية في المنطقة، خاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والعسكرية على الحدود الجنوبية والجنوبية الشرقية، خاصة وأن حادثة “تيغنتورين”، التي استهدفت محطة غازية كبرى في جنوب البلاد سنة 2013 من طرف جماعة إرهابية، ثبت أنها كانت تتحرك عبر الشريط الحدودي المذكور.

تحذيرات من توريط المؤسسة العسكرية في وحل المستنقعات الإقليمية
تحذيرات من توريط المؤسسة العسكرية في وحل المستنقعات الإقليمية

إلا أن معارضين للمشروع يعتبرون أن رفع الحظر هو مقدمة لتوظيف الجيش الجزائري، الذي يعتبر من أكبر وأقوى الجيوش بالمنطقة، في صراعات تخدم القوى النافذة في المنطقة، وأن الخطر لا يكمن في مهام حفظ الأمن والسلم في بؤر التوتر، بقدر ما يكمن في المستنقعات المستعصية التي قد يجر الجيش الجزائري إليها، كالحرب على الإرهاب والجريمة المنظمة والصراعات الداخلية.

ويذكر البند الـ31 من الدستور الجديد، بأنه “يمكن للجزائر في إطار احترام مبادئ وأهداف الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، أن تشارك في حفظ السلم، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان”.

لكن إضافة مسوغ آخر في نفس السياق يسمح بـ”مشاركة الجزائر في المنطقة على استعادة السلم في إطار الاتفاقيات الثنائية مع الدول المعنية”، في إشارة لإمكانية خروج الجيش في إطار اتفاق مع إحدى حكومات المنطقة، يفتح الباب أمام “المغامرة” بالمؤسسة في صراعات تعرضها للمخاطر، برأي معارضين للتحول الجديد.

ولفت وزير العدل في مداخلته إلى أنه “سابقا طلب من الجزائر المشاركة في حروب بمنطقة ما، ورفضنا وبقينا أوفياء لهذا المبدأ”، وإن لم يسمّها فإن الإشارات تتوجه إلى طلبات أميركية وفرنسية لدخول الجيش الجزائري في الحرب على الإرهاب بمنطقة الساحل الصحراوي، خاصة بعد سقوط حكومة باماكو العام 2012 تحت ضربات التنظيمات الجهادية.

وكانت قيادة الجيش قد أعلنت في وقت سابق عن دعمها وتأييدها للتحول الجديد في مهام الجيش، حيث عبر قائد أركان الجيش الجنرال سعيد شنقريحة، عن انسجام الرؤية داخل أركان النظام حول التوجه المستحدث للمؤسسة العسكرية، في رد مبطن عن القائلين بإمكانية إثارة القرار لخلافات بين الفاعلين في مؤسسات الدولة.

وتعد دسترة المهام الجديدة للجيش، واحدة من المحاور الأساسية في البرنامج الإصلاحي للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، التي تعهد بها خلال حملته الانتخابية، ويراهن على تزكية شعبية للدستور بعد مروره الشكلي على غرفتي البرلمان في اليومين الماضيين، حيث حاز على تصويت الأغلبية النيابية ولم تمتنع عن التصويت إلا كتل صغيرة لأحزاب معارضة كجبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الديمقراطية العلمانيين، والأحزاب الإخوانية وبعض النواب المستقلين.

 

2