تسيبراس رئيس الحكومة اليونانية الجديد وأوروبا المنحسرة

السبت 2015/01/31
جيل جديد يقود اليونان خارج التكتل الأوروبي

بدا الحدث فريدا، وكأنّ طيف ماركس الذي استعيد بعد تفجّر الأزمة المالية 2008 ظهر مجدداً؛ حينها سُجل الإعجاب بماركس وكتابه رأس المال بصفة خاصة على أعلى المستويات؛ وانهمك الجميع بقراءته مجدداً.

ولا شك أن أعين اليساريين الذابلة قد برقت بقوةٍ؛ الليبراليون واليساريون انهمكوا بالقراءة. الحدث هو وصول حزب يساري جديد في اليونان، وبانتخابات تشريعية وديمقراطية إلى سدة الحكم، وبعدد أصوات 149، ولو أتى الرقم 151 لكان فوزه ساحقاً وشكل حكومة “حمراء” خالصة. لكن ذلك لم يتحقق، فكانت الاستعانة بحزب اليونانيين المستقلين الرافض لسياسة التقشف التي اعتمدها حزب الديمقراطية الجديدة الذي خسر الانتخابات، والذي هو أيضاً الحزب الثاني فيها؛ كان قد مكّن الترويكا الثلاثية، الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، والبنك الدولي، إضافة إلى حكومة ألمانيا وبقية دول الاتحاد الأوروبي، من التحكم في الاقتصاد اليوناني وبكل اليونان، حينما اعتمد ذلك الحزب جملة سياسات ليبرالية جديدة، كانت نتائجها كارثية على المجتمع، وتسببت بسقوطه في الانتخابات، وقِيل إن الناخبين اليونانيين انتقموا لأنفسهم وممّن أفقرهم ونَهب أجورهم وأطاح بالخدمات العامة، بأنهم أعطوا أصواتهم لحزب سيريزا اليساري الذي يرأسه أليكسيس تسيبراس، ربما ليمتحنونه هو الآخر، وليُخرج اليونان من أزمةٍ قد لا يستطيع حلها كما تبشرنا أقلام ليبرالية كثيرة.


تسيبراس وتغيير أوروبا


ولد أليكسيس تسيبراس في العام 1974 وانخرط في صفوف الشبيبة الشيوعية اليونانية لينضم لاحقا لحزب سيناسبيسموس الصغير الشيوعي - الأوروبي المطالب بعولمة مغايرة، وفي العام 2008 انتخب رئيسا لتحالف عدة منظمات وأحزاب يسارية تحمل اسم سيريزا، ومع أزمة الديون اليونانية في العام 2010 ارتفع صوت الأحزاب اليسارية، لكن تسيبراس كان يرى في الأزمة بعداً إنسانياً أكثر منه مجرد وضعية اقتصادية، فتقدم في انتخابات العام 2012 ليحل ثانياً بعد حزب الديمقراطية الجديدة، وفي السنة الماضية 2014 تمكن من الفوز بصدارة الانتخابات الأوروبية.

توقع الفوز كان سابقاً له، وكان اليسار البارز منذ عدة أعوام في غاية التأهب لهذه اللحظة، ولا سيما اليسار الأسباني والبرتغالي والفرنسي، وطبعاً ليست الأحزاب الشيوعية القديمة. المهم أن تسيبراس، زعيم حزب سيريزا، أوضح بعد الفوز، أن “الشعب اليوناني ينهي الترويكا” وأن “تغير اليونان يعني تغيير أوروبا”، وقال أحد الخبراء الاقتصاديين في هذا الحزب إن “البرنامج الذي عرضه وزير المالية في الحكومة السابقة قد مات”، وهي رسالة واضحة لليسار الأوروبي وللرأسمالية الأوروبية بأكملها؛ بأن رجلاً وحزباً جديداً، وربما سياسات جديدة يجب أن تعتمد في كل أوروبا، وإلا فإن قلاع الرأسمالية الأوروبية قد تتساقط بالتدريج، بدءاً من أسبانيا.

بعض دول الاتحاد الأوروبي تلوح إلى إمكانية طرد اليونان من الاتحاد الأوروبي في حال اعتمد تسيبراس خطته كسياسة عامة للحكومة اليونانية

ما أوصل هذا الحزب إلى السلطة هو الانهيار الاقتصادي الشامل للاقتصاد اليوناني، والذي ارتهن لسياسات اقتصادية مجحفة بحقه، وتحديداً في العام 2010، حيث وصل الدين السيادي لليونان إلى أعلى مستوى، وكادت أن تدخل في فوضى شاملة، مع احتمال خروجها من الاتحاد الأوروبي حينها، لأن البقاء فيه، سينعكس على الاتحاد برمته، وقد يتسبب بمشكلات تفجّره بسبب تزايد المصاعب والمشكلات الاقتصادية في كل أوروبا.

قدم الاتحاد الأوروبي قرضاً مالياً لليونان وصل إلى 300 مليار يوريو، ولكنه فرض على حكومة حزب الديمقراطية الجديدة اليوناني، فائدة عالية، وسياسات اقتصادية، كرفع سن التقاعد لـ61 عاما، ووصل تخفيض قيمة الأجور إلى النصف، ونسبة البطالة فاقت الـ27 بالمئة، بالإضافة إلى وجود تدخل مستمر في الاقتصاد اليوناني، كل تلك السياسات أدت إلى شبه انهيار كامل في البلاد، بما يفوق قدرة الإنتاج المحلي بأضعاف، وهذا الوضع هو ما دفع بالحزب اليساري إلى واجهة الحدث.

سخِر الحزب الشيوعي اليوناني من انتصار سيريزا، فهو يعتقد أنّه باع المواطنين أوهاماً كبيرة، ولن يكون قادراً على الإيفاء بها. المفارقة أن رئيس المصرف المركزي الألماني ينس وايد قال العبارة ذاتها “على الحزب الفائز عدم إعطاء وعود وهمية لمواطنيه”. ربما يمكن تفهّم هذه العبارة من رئيس المصرف، فهو ممثل الرأسمالية الألمانية، والمتضرر المباشر من سياسات رافضة للتقشف، وتريد حذف وليس جدولة قسم كبير من الديون على اليونان، ولكن لا يمكننا تفهّم ذلك من حزب شيوعي. بكل الأحوال الأحزاب الشيوعية التقليدية تلفظ أنفاسها كذلك في أوروبا، فهي لا تزال تتبنى سياسة انعزالية، أي تتبنى سياسات لصالح الطبقة العاملة ولبقية الطبقات الفقيرة، وتقدم مشروعها لنظام الحكم بما يُحدث تغييراً في شكل الملكية لصالح أن تتملك الدولة المؤسسات. ولكنها تقر بالشكل البرلماني للحكم، وهذا يعني أن بمقدورها التحالف مع حزب يساري، ولكن المناكفة السياسية، وربما الخوف من تراجع أكبر في الشعبية، يدفعها لنقد جذري ضد هذا الحزب واتهامه بالانتهازية، وأنه لن يخرج من الاتحاد الأوروبي ولن يبشّر بإلغاءٍ كاملٍ للدين. وهذا يساوي مناكفة سياسية وليس برنامجاً يحقق فعلياً مصالح الطبقة العاملة والمفقّرين بسبب النظام الرأسمالي.

الحل اليساري في اليونان، يوضح أن الاتحاد الأوروبي أصبح محكوماً من ألمانيا بشكل خاص، ومن الرأسماليات الأقوى في أوروبا، وأنه صار ضد مصالح أغلبية الشعوب الأوروبية، وبالتالي لم يكن الاتحاد في صالح الأوروبيين كشعوب بل كرأسماليات، والتضحية ببعض الرأسماليات الضعيفة فيه كالرأسمالية اليونانية والبرتغالية والأسبانية لا يشكل مشكلة فعلية لألمانيا وفرنسا وبريطانيا وفنلندة مثلاً، سيما وأن أحزاب اليسار الجديد لا تزال رؤيتها لحل المشكلات الاقتصادية العميقة، لا تطال تغييراً كاملاً لشكل الملكية المسيطرة وتمليك الشعب الثروة والمؤسسات مباشرة أو عبر الدولة، فالمطروح لديها تدخل أقوى للشعب عبر النقابات وسواها على الأسواق، واستعادة الحقوق الاجتماعية كالصحة والسكن والتعليم والأجور الموازية للأسعار والضرائب العالية على أرباح الشركات وهكذا.

وفي هذا الإطار فإن شعوب أوروبا الشرقية وبعد تحولها الرأسمالي وسقوط الدول الاشتراكية الاستبدادية بعد التسعينات، تعود إلى اليسار بشكل جزئي، وربما تعود إليه كما تؤشر الانتخابات المتوالية في تلك الدول.

السياسات الليبرالية السابقة للاتحاد الأوروبي فشلت في تنمية أوروبا الغربية والشرقية، والأزمات تزداد واليسار يتقدم وكذلك اليمين وإن بدرجة أدنى رغم أنه حصان الرأسمالية لمواجهة اليسار المندفع


شعوب تتطلع إلى نظام جديد


الشعوب الأوروبية أصبحت تتطلع نحو نظام جديد، لا يقطع مع الديمقراطية، ولكنه لا يحمّلها وزر السياسات الليبرالية الجديدة؛ حيث مقابل تحقيق هذه السياسات تآكلت كل مكتسبات دولة الرفاه الاجتماعي؛ دولة الشراكة بين العمال وبين الرأسماليين الكينزيين، ومؤخراً استغلت الرأسمالية الفرنسية حادثة تشارلي، ومقتل الصحفيين بهجوم إرهابي، لدفع الفرنسيين والأوروبيين نحو حلول وهمية للمشكلات التي تتعمّق بسبب السياسات الليبرالية، ويتم العمل على نزعة فاشية وسياسات عنصرية ضد المسلمين والعرب، وإبراز الصراع الاجتماعي كصراع هويات تتعرض فيها أوروبا إلى غزو خارجي، فتصبح أوروبا المسيحية عرضة لتآكل تقاليدها تلك بسبب اللاجئين والهجرة من شعوب البلاد المتخلّفة؛ وهنا يحتفى بما قدمه صموئيل هنتغتون عن صراع الحضارات، وكأنّه نبي العصر الجديد؛ بينما هو أخطر أيديولوجي للسياسات الليبرالية وهي تهوي بالعالم بأكمله نحو الفقر والثورات والفوضى، فتصبح الهويات الدينية لشعوب العالم هي سبب مشكلاتها وليست السياسات الرأسمالية المتأزمة؛ الثورات العربية منذ العام 2010 وانتصار اليساري اليوناني هذا ليس خارج إطار الرد الشعبي عليها.

ستواجه الحكومة اليسارية الجديدة الاتحاد الأوروبي وجهاً لوجه، سيما أن حزب سيريزا قد صرّح بأن حل مشكلات اليونان لا يمكن أن تكون عبر “خفض نسبة الفائدة أو تمديد فترة التسديد”، فهو يريد حذف كتلة كبيرة من الديون ليتمكن الاقتصاد اليوناني من المنافسة والتعافي، عدا أنه أكد على رفع الحد الأدنى للأجور وبناء تنمية وطنية وإعادة الخدمات الاجتماعية كما كانت قبل العام 2010 حين تخلت عنها حكومة حزب الديمقراطية وفقاً لاشتراطات الترويكا الثلاثية.

يدعم الكسيس تسيبراس حجته بحذف الديون، ورداً على ميركل رئيس وزراء ألمانيا، أن دولتها بالتحديد قد حذفت الجزء الأكبر من ديونها بعد الحرب العالمية الثانية لتتعافى من الدمار والانهيار الذي كانت فيه؛ وبالتالي رئيس الحكومة الجديدة واعٍ تماما بحجم المأزق اليوناني، وكذلك لشراسة الرفض الرأسمالي الأوروبي لسياساته المناهضة للتقشف والمطالبة بحذف جزء كبير من الديون، والبقاء ضمن الاتحاد الأوروبي، فهو لم يطالب بالخروج؛ هنا تلوّح حكومتا ألمانيا وفنلندا إلى إمكانية أن تخرج اليونان من الاتحاد الأوروبي في حال اعتمد تسيبراس خطته كسياسة عامة للحكومة اليونانية.

وفي هذا تحتدم الصراعات الآن في أوروبا؛ فهل سيخرج من الاتحاد الأوربي ويرفض أي جدولة للديون على اليونان، وهذا سيدفع به نحو سياسات أكثر يسارية وأكثر جذرية، وهل سيخضع لشروط الترويكا القديمة ذاتها، وبالتالي يفقد سبب انتصاره الانتخابي؟ وهذا ما سيلغي مبرر استمرار الحكومة اليسارية فوراً وستواجه بسخط شعبي عارم، يفقدها السلطة خلال سنوات قصيرة؛ وهذا ربما سيدفع كل أوروبا نحو حركات متطرفة يمينية ويسارية كما حال حركة “بيغيدا” الألمانية التي تتوسع، وحركة اليمين الفرنسي والتي تتوسع كذلك بدورها؛ بكل الأحوال السياسات الليبرالية للاتحاد الأوروبي السابقة، فشلت في تنمية أوروبا الغربية والشرقية، والأزمات تزداد واليسار يتقدم وكذلك اليمين وإن بدرجة أدنى رغم أنه حصان الرأسمالية لمواجهة اليسار المتقدم.

ألمانيا تقول إنها لن تتحمل دفع المديونية العالية للدول الغارقة في الأزمات كاليونان وأسبانيا، رغم أنها السبب الرئيسي في هذه المديونية


تسيبراس الشاب


يعتقد بعض المحللين أن أوروبا ستدفع نحو تفكيك اتحادها، لأن ألمانيا لن تتحمل دفع المديونية العالية للدول الغارقة بالأزمات كاليونان وأسبانيا، رغم أنها السبب الرئيسي في هذه المديونية، وهذا لوحده يوضح الحدود التاريخية للاتحاد الأوروبي وأنه قارب على التلاشي، واستعادة الدولة الوطنية من جديد؛ حيث تقوم كل دولة بحل مشكلاتها بمفردها، ولكن ربما يقوم اليسار بما يتجاوز الاتحاد الحالي نحو اتحاد قادر على حل المشكلات فعلياً. وهذا يقتضي نجاح اليسار في أغلب دول أوروبا الغربية ليشكل قوة ضغط نحو إنهاء كامل لكل السياسات الليبرالية وكل المديونيات العالية على الجنوب الأوروبي؛ هذا متروك للمستقبل رغم أن تقدم اليسار يشكل دلالة قوية في هذا الاتجاه.

يشكل ألكسيس تسيبراس ذو الأربعين عاما مفارقة في أحزاب اليسار، حيث عهدنا الأحزاب الشيوعية بقيادات تاريخية لا يأتيها الموت أبدا. هذه المفارقة ربما هي تعبير عن أشكال جديدة وثورية في اليسار العالمي تسمح للشباب بالوصول إلى القيادة لأحزابه؛ وتغيير كامل لرؤيته البرنامجية القديمة؛ وتحويلها إلى رؤية أكثر موضوعية وواقعية، وتتعامل مع مشكلات الرأسمالية بأفق مفتوح وبلغة جديدة وبتحالفات واسعة؛ هذا يذكرنا بحزب لولا في البرازيل واليسار هناك والفوز في الانتخابات لعقود متتالية، ولا يزال اليسار يحرز الانتصارات في أميركا اللاتينية. هل هذا يعني أن اليسار يتقدم عالمياً؟ نقول ربما هو كذلك؛ ولكنها ليست معركة سهلة؛ فإن تُرك في أميركا اللاتينية يتقدم، فإن السماح بذلك في أوروبا سيهدد الرأسمالية العالمية برمتها؛ فهنا الرأسماليات “الأصيلة” والعميقة؛ ربما لهذا السبب بالتحديد سنشهد مواجهة سياسية خطيرة بين اليونان وحكومات أوروبا؛ وفي هذا بالتحديد يتم حث شعوب أوروبا كلها على التضامن مع اليونان في وضعه الجديد.

هذه الرسالة يتبادلها اليسار الأوروبي بقوة هذه الأيام؛ فهل فعلا يتحقق تضامن كبير يجبر حكومات أوروبا على إلغاء القسم الأكبر من الديون، وإيقاف سياسات التقشف والبدء بتنمية لصالح كل الشعب وليس لصالح الرأسماليات الأوروبية، كما حالهم حين اعتمدوا السياسات النيو ليبرالية. هذا أيضاً متروك لنتائج الصراع الذي سيحتدم بين شباب اليونان اليساري وأوروبا العجوز الرأسمالية.

12