تسيبي ليفني.. فتاة الموساد تسأل: من يريد للصراع العربي الإسرائيلي أن يستمر؟!

الأحد 2013/12/08
"ليفني تبدو جريئة أكثر من رجال إسرائيل"

تبدأ الصراعات الكبرى بشعارات كبيرة، وبسير نضال تتحدث عن أهداف ضخمة للسائرين على دروبها، حتى إذا تحققت أولى الأهداف بدأت تنحدر الشعارات إلى مستويات أقل سطوعا، حتى تهوي إلى ابتذال أخلاقي وقيمي يعكس طبيعة المرحلة التي وصل إليها الصراع في لحظته الراهنة. وحين صرّحت رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني، أنها مارست الجنس مع قيادات فلسطينية، فلم يكن ذلك من أجل أهداف نبيلة وسامية، بقدر ما هو تبدٍ صريح وواضح لشكل العلاقات التي تحكم الصراع العربي الإسرائيلي اليوم، الذي يراد له أن يستمر ليس لتحقيق أيّ من الأهداف المعلنة، ولكن من أجل استمرار النزاع واستنزاف العالم بأسره والمنطقة وشعوبها في دوامة لا نهاية لها.

"ظبية ليفني"، كما هي ترجمة اسمها عن العبرية، المولودة في تل أبيب إسرائيل في العام 1958، في سنوات صعود بن غوريون، واحتدام الصراع مع حركة القومية العربية الموازية والمناقضة للحركة القومية الصهيونية التي تحكم إسرائيل، وفي أسرة بولندية مهاجرة من منتسبي منظمة الإرجون المتعصبة التي قادها مناحيم بيجن، وفيما بعد أصبح والدها إيتان عضوا في الكنيست عن حزب الليكود، في ذات الوقت الذي خرجت ابنته فيه إلى شوارع تل أبيب والقدس في مظاهرات ضد الحكومة الإسرائيلة التي قررت الاستجابة لجولات هنري كيسنجر المكوكية في المنطقة والتي هدفت إلى توقيع اتفاق الهدنة وفك الاشتباك مع كل من مصر وسوريا، بعد حرب العام 1973، فكانت إحدى أعضاء منظمة "بيتار" (منظمة شبيبة الصهيونيين التصحيحيين)، التي أسسها زئيف جابوتنسكي والتي تناضل من أجل إنشاء دولة عبرية على ضفتي نهر الأردن. وتطوّرت حركة "بيتار" فيما بعد لتصبح حركة "حيروت"، وانتقل أعضاؤها آليا إلى كتيبة الناحال في الجيش الإسرائيلي، وتحوّلت تسيبي معهم إلى الجيش الإسرائيلي، لتخدم في "معهد تأهيل الضابطات" وحصلت على رتبة ملازم أول، وبعد نهاية خدمتها الإلزامية سجلت نفسها لدراسة الحقوق في جامعة بار إيلان برمات جان.


خادمة في باريس


في بداية العشرينات من عمرها، غرقت ليفني في عالم الاستخبارات، مبتعدة عن صفوف الدرس، وبدأت العميلة "ظبية" بتنفيذ عمليات خاصة أكثر خطورة من العمل التقليدي لعملاء المخابرات البسطاء، فليس نقل المعلومات هو المهم، ولكن قتل الخصوم واختراق شبكاتهم ومواقعهم سيعدّ إنجازا لفتاة مؤمنة بالحلم الذي تحدّث عنه جابوتنسكي وزرعه في شباب إسرائيل.

كانت أهداف "ظبية إسرائيل"، بحسب تقرير التايمز اللندنية، تتراوح ما بين سياسي فلسطيني شاب، وعالم نووي عراقي، وقد قامت باغتيال هؤلاء جميعا. وفي حالة العالم العراقي اضطرت للعمل خادمة في منزله كي تتمكن من دس السم في طعامه، حيث أصدرت الشرطة الفرنسية مذكرة اعتقال بحقّها، لولا تدخّل الغطاء اليهودي الفرنسي الذي تمكن من تخليصها من القضاء وترحيلها إلى تل أبيب من جديد، لتنكب على مناهج القانون وتنهي دراساتها وتتخرج محامية مختصة بالشؤون التجارية. وقد شهد لها بذلك مدير الموساد السابق "إفرايم هالفي" بالقول: "كانت واعدة جدا كعميلة خاصة ولديها جميع المميزات التي تبشر بمستقبل مهني مميز".

بعودة ليفني إلى إسرائيل وإنهائها دراساتها كان لا بد لها من تغيير شكل حياتها تماما، بعد طور المغامرات الذي عاشته في العمليات الخاصة للموساد، فتزوجت زميلها المحامي نفتالي شبيستر، وتفرغت للسياسة والعمل المدني والصعود الهادئ، فقضت الفترة ما بين أواسط الثمانينات وأواسط التسعينات بعيدة عن كل نشاط لافت، حتى اكتشفها أريئيل شارون وقرّبها من دائرته، فتم تعيينها مديرا عامّا لهيئة الشركات الحكومة الإسرائيلية بفضل تخصصها في الشؤون القانونية التجارية في العام 1996.

ويذكر كتاب سيرتها أنها قادت أخطر عمليات التحويل والخصخصة للقطاع العام الإسرائيلي أثناء توليها المنصب، فبنت شبكة هائلة من العلاقات مع أثرياء إسرائيل وسياسييها في الوقت ذاته، وخطت خطوتها الأولى في العمل السياسي العلني، وترشّحت لعضوية الكنيست ودخلته في العام 1999، وكلفت بعضوية لجنة "الدستور والقانون والقضاء" وتطوير أوضاع المرأة الإسرائيلية، وامتدادا لخبراتها في عالم التجارة فقد كلفت برئاسة لجنة التشريع القانوني لمنع "غسيل الأموال".
ليفني أكدت استعمال الأسد للسلاح الكيميائي في سوريا واستنكرت صمت المجتمع الدولي على جرائمه


الحقائب الوزارية المتتالية على ظبية الموساد


في العام 2001 تم تعيين ليفني وزيرة للتعاون الإقليمي والزراعة، ثم أصبحت وزيرة للاستيعاب ثم وزيرة للبناء والإسكان ثم وزيرة للعدل ثم وزيرة للخارجية، وكانت في كل تلك الحقائب ممثلة لحزبها اليميني الليكود، وفي تلك الفترة تم منحها وسام "فارسة جودة الحكم" في العام 2004.

ولكنها بقيت خلف عرّابها ووالدها الروحي شارون الذي فارق الليكوديين وأسس حزبه الخاص وأطلق عليه اسم "كاديما ـ إلى الأمام"، الذي خالف الليكود في زاوية النظر إلى طبيعة الصراع، وصنّف نفسه على أنه يمين الوسط، مع إيمانه بضرورة استمرار المفاوضات مع الفلسطينيين، والتوصّل إلى حل الدولتين بأي شكل كان. وكان من أخطر القرارات التي اتخذها شارون وأدّت إلى تأسيس كاديما، الانسحاب الكامل من قطاع غزّة وتفكيك المستوطنات فيها، وبعد مرض شارون ودخوله في غيبوبة منعته من ممارسة نشاطه السياسي، تقدّم إيهود أولمرت لقيادة كاديما، ضامّا إليه كبار الشخصيات الإسرائيلية من مناضلي الجيل الأول فدخل في كاديما شيمون بيريز واليهودي الإيراني شاؤول موفاز، رئيس هيئة الأركان العامة السابق. وبعد افتضاح قضايا الفساد التي لاحقت أولمرت أجريت انتخابات داخلية في حزب كاديما فازت فيها ليفني برئاسة الحزب في 17 سبتمبر –أيلول من العام 2008 . بعدها قدم أولمرت استقالته للرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز وفي اليوم التالي كلف بيريز تسيبي ليفني بتشكيل حكومة جديدة. وبموجب القانون الإسرائيلي كان على ليفني إتمام هذه المهمة قبل 2 نوفمبر ـ تشرين الثاني من العام 2008، ولكنها واجهت التناقضات الإسرائيلية بشجاعة وأعلنت عن فشل محاولتها في تشكيل حكومة جديدة، وتولت دفة قيادة كاديما في اللعبة الديمقراطية الإسرائيلية وقررت المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في العام 2009 ففاز حزبها بـ "28 " مقعدا من أصل" 120"، وأصبح بذلك يمثل أكبر كتلة في الكنيست. وبعد فوزها الساحق قررت ليفني عدم المشاركة في حكومة ائتلافية برئاسة بنيامين نتنياهو، وقالت إنها ستقود الحزب من مقاعد المعارضة لإيمانها بأهمية المفاوضات مع الفلسطينيين وتطبيق حل الدولتين.

انشقّت ليفني عن اليمين المتطرّف الإسرائيلي مؤمنة أن الإسلام السياسي سينتهي هو الآخر بعد عام من الآن

وقد تعالت ليفني على كل عروض نتنياهو التي قدمها لها للمشاركة في الحكومة، مما اضطره للذهاب نحو الأحزاب الدينية المتطرفة، وكانت لفيني تعرف تماما ماذا تفعل، فهي بتركها نتنياهو يشارك اليمين المتطرف، إنما تعرّض مشروع الليكود كلّه للوقوف بلا غطاء أمام الرأي العام الإسرائيلي وسوف يرى الإسرائيليون كيف أن الليكود لن يتمكن من تحقيق السلام، ولا من المتابعة في الاستيطان وتحقيق مطالب اليمين.


عميلة الموساد الملاحقة دوليا


كانت ليفني قائدة الحرب على غزّة، بعد زيارتها للرئيس المخلوع حسني مبارك في مصر، وخروجها في مؤتمر صحفي لتقول بلغة حاسمة: "هذا يكفي…" وبعد ساعات كانت الطائرات الإسرائيلية والدبابات والمدافع وراجمات الصواريخ تحرق غزة في عملية "الرصاص المصبوب"، ووصل عدد الضحايا إلى أكثر من ألف خلال أسابيع قليلة. وصلت ليفني في زيارة إلى بريطانيا، حيث كان بانتظارها عدد من الدعاوى القضائية التي رفعتها ضدّها عائلات الضحايا الفلسطينيين، في شتاء العام 2009. وأعلنت منظمات التضامن البريطانية صدور قرار قضائي باعتقال تسيبي ليفني بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، حيث أصدر قاض في محكمة بالعاصمة البريطانية لندن أمر اعتقال بحق ليفني بتهم جرائم حرب ارتكبت خلال حرب غزة، ولكن ليفني اختفت من لندن كما ظهرت، وقيل إن الخارجية البريطانية ضغطت على القضاء لتأجيل النظر في القضية.

تظهر ليفني في الإعلام الإسرائيلي الذي يحتفل بها مستخدما كل وسيلة ممكنة بهدف تقديم صورة إسرائيل من جديد، عبر قيادة نسائية مختلفة، صحيح أنها تذكر بغولدا مائير، ولكن ليس تماما، فليفني تقول إنها ليست غولدا الثانية بل ليفني الأولى، ويمتعها أن يجري تصويرها في مطبخها حافية على أرض حديقة المنزل وهي تقطع الخضار وتقلي اللحم.

ولكن ليفني تبدو جريئة أكثر من رجال إسرائيل، فهي تبادر إلى طرح آرائها الصادمة دون التفكير في المعايير التقليدية التي ضبط زعماء إسرائيل أنفسهم عليها، وكثيرا ما طالبت بالانتباه إلى ما يحصل في العالم العربي، قائلة إن على الإسرائيليين ألا يقفوا متفرجين على المتغيرات الكبيرة من حولهم، وطالبت المجتمع الدولي بوضع حد لبشار الأسد مؤكدة استعماله للسلاح الكيميائي ضد شعبه، مستنكرة الصمت الدولي على جرائمه، في الوقت ذاته لا تمنع تسيبي ليفني نفسها من الخوض في قضايا فكرية تخص تحولات المنطقة، فهي تعتبر أن الإسلام السياسي سينتهي هو الآخر بعد انشقاقها عن اليهودية المتطرفة واليمين المتشدّد، مصرّة على أن على الإسرائيليين التعامل مع الذين يختلفون عنهم في الايديولوجيا، "ماذا نفعل؟ هل نقطع علاقاتنا معهم؟" تتساءل المرأة الوحيدة في المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم أمام البولندية الأخرى شيلي يحيموفيتش زعيمة حزب العمل المعارض.

تقول ليفني: إننا لا نستطيع أن نقف مكتوفي الأيدي أمام المتغيرات التي تحصل في العالم العربي


انقلاب إسرائيل التقليدية على ليفني


ما تزال ليفني تصارع المختلفين عن ذهنيتها السياسية ونظرياتها التي تخترق الحدود، ليس فقط في حقول الخصوم، ولكن أيضا في الحزب الذي قادته للفوز بصدارة مقاعد الكنيست، فما زال هناك من العقول القديمة التي تريد الاستمرار في الصراع إلى الأبد، دون نقلات نوعية، ومن داخل كاديما خرجت تلك الأصوات التي انقلبت على ليفني ودفعتها إلى تقديم استقالتها والانسحاب من الحزب والكنيست معا في أيار ـ مايو من العام 2012، معلنة طي صفحة مرحلة من حياتها السياسية لتبدأ بتأسيس حزبها الجديد الذي يتقبل أفكارها المختلفة والجديدة.

قالت ليفني إنها "لا تأسف على كونها رفضت الخضوع للابتزاز، ولم تبع الدولة للحريديم ولم تتاجر بأموال الجمهور" فاتحة نزاعا علنيا مع الحريديم وهم اليهود الأصوليون الذين يطبقون الطقوس الدينية ويعيشون حياتهم اليومية وفق التفاصيل الدقيقة للشريعة اليهودية، يساعد ليفني في نزاعاتها مع أبناء جلدتها كونها تشتهر في الأوساط بنظافة ملفّها من تهم الفساد التي نادرا ما تخلو منها حياة السياسيين الإسرائيليين، تقول ليفني: "لكي تحتفظ إسرائيل بطابعها اليهودي والديموقراطي، ينبغي عليها أن تتقاسم الأرض وأن توافق على إنشاء دولة فلسطينية إلى جوارها" وتؤكد "أن الرغبة في السلام ليست ضعفاً، بل هي مصدر قوة إسرائيل"، وحين قرّرت ليفني بصفتها وزيرة العدل الإسرائيلية ورئيسة الوفد الإسرائيلي المفاوض إطلاق سراح الأسري الفلسطينيين، تلقت تهديدات بالقتل من قبل المتطرفين الإسرائيليين.


مستقبل الصراع ومشروع ليفني السياسي


تعتقد ليفني أنها يمكن أن تشكّل رأيا عاما يقود إسرائيل إلى الاستقرار السياسي مع جوارها العربي، خصوصا بعد العبور إلى الديمقراطية في دول الربيع العربي، وكانت منفتحة جدا على دول الخليج العربي وقد تسرّب فيديو على شبكة الانترنت يظهر لقاء جمعها مع أمير قطر السابق حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس وزرائه حمد بن جاسم، وكان لتفجيرها فضيحة ممارسة الجنس معه ومع قياديين فلسطينيين أثرٌ بالغ في تقزيمها لشكل الصراع وتحويله إلى ملهاةٍ وسط الخراب الذي خلّفه طيلة العقود الماضية، وتمتلك ليفني مشروعا سياسيا تتناقض به مع ثوابت السياسة الإسرائيلية التاريخية، فبعد انسحابها من كاديما، فاجأت الأوساط السياسية في إسرائيل بحزبها الجديد "الحركة" وتمكنت من إقناع "7" من نواب كاديما الذين يحظون بتأييد الشارع الإسرائيلي، وتؤكد استطلاعات الرأي الحالية في إسرائيل أن حزب ليفني الجديد يتقدّم سريعا في الأوساط، خاصة بعد انضمام "عمير بيريتس" وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، القادم من حزب العمل ليحتل المركز الثالث في حزب الحركة، وكذلك الزعيم الأسبق لحزب العمل "عمرام متسناع"، وتحاول ليفني بحزبها الجديد تقديم ذاتها كممثلة لليبرالية الإسرائيلية الجديدة وفي حملة حزبها الانتخابية طرحت ليفني الصراع العربي الإسرائيلي باعتباره القضية المركزية بالنسبة إليها.

تقول ليفني:" دون تسوية الصراع مع الفلسطينيين لا مستقبل لإسرائيل" لتقف بمواجهة اليمين المتطرف واليهودية الأصولية الشرقية "شاس" والغربية "حزب يهودات هاتوراة" أي مجموع الحريديم الذين من أجلهم صنعت إسرائيل أول مرة.

10