تسيشي محظية الإمبراطور التي غيرت تاريخ الصين الحديث

الاثنين 2014/08/25
يونغ تشانغ في معرض الكتاب الدولي في أدنبره

لندن- أصدرت الكاتبة البريطانية، صينية المولد، يونغ تشانغ كتابها السيري الثالث الذي يحمل عنوان “الإمبراطورة الأرملة تسيشي: المحظية التي أطلقت سياسة الصين الحديثة”. قبل الولوج في محاور هذا الكتاب الشيّق لا بدّ لنا أن نتوقف قليلا عن سيرتيها السابقتين اللتين حققتا لها شهرة كبيرة، وذيوعا واسع النطاق.

يتمحور كتابها الأول “بجعات بريّة” على سيرتها العائلية، حيث تتناول فيه ثلاثة أجيال للمرأة الصينية في القرن العشرين، جدتها، وأمها، والكاتبة نفسها. أي أن هذا الكتاب هو سيرة ذاتية، وسيرة غيريّة إن صحّ التعبير على اعتبار أن الأم والجدة هما شخصيتان أخريان، لكل واحدة منهما كيانها الخاص القائم بذاته. ترجمت هذه السيرة إلى 30 لغة، وبيع منها عشرة ملايين نسخة، وقد قوبلت باستحسان النقاد والقرّاء.

أنجزت تشانغ، بالاشتراك مع زوجها المؤرخ جون هاليداي، عام 2005 كتابا سيريّا آخر يحمل عنوان “ماو: القصة المجهولة” يسردان فيها سيرة الزعيم ماو، ويصوّرانه بطريقة سلبية جدا. لقد سافر المؤلفان إلى مختلف أرجاء العالم للبحث في معطيات الكتاب الذي استغرقا في تأليفه 12 عاما بالتمام والكمال، حيث قابلا مئات الناس الذين يعرفون ماو عن كثب بما فيهم جورج بوش الأب، والسير هنري كيسنجر، والدالاي لاما تينزن غياتسو.

من بين الانتقادات الرئيسية في الكتاب أن ماو لم يكن مهتما برفاهية الفلاحين الصينيين، وقد حمّلاه مسؤولية المجاعة الناجمة عن “القفزة العظيمة للأمام”، وادعيا أنه فاقمها من خلال السماح بتصدير الحبوب، بينما لم تكن الصين قادرة على إطعام شعبها.

أما السيرة الثالثة التي أصدرتها يونغ تشانغ فهي “الإمبراطورة الأرملة تسيشي: المحظية التي أطلقت سياسة الصين الحديثة”. تتمحور هذه السيرة على الرؤية الخاطئة التي تعتبر تسيشي “إمّا مُستبدة وشرِّيرة، أو غير كفوءة ميئوس منها، أو الاثنين معا”.

بينما ترى تشانغ أن هذه الرؤية إما تبسيطية ساذجة أو غير دقيقة، ذلك لأن تشانغ ترى في تسيشي امرأة ذكية لمّاحة، متفتحة الذهن، ومناصرة للمرأة، لكنها في المقابل مُحافظة وبيروقراطية ومصابة برهاب الأجانب. وربما يعتبرها البعض “مُحافظة متخلفة”.

أمضت الإمبراطورة حياتها وهي تصدر الأوامر من خلف الستار

لا شك في أن إعجاب تشانغ بالإمبراطورة تسيشي لا يتوقف عند حد، على الرغم من أن سمعة هذه الأخيرة كانت ولا تزال كامرأة مستبدة قاسية ومحافظة جدا، ولكن الكاتبة ترى فيها “امرأة مُجددة ناصرت قضية تحرير المرأة، وكانت تتطلع إلى الغرب، وغيّرت الصين جذريا نحو الأفضل”. هذا بالضبط ما قالته تشانغ في معرض الكتاب الدولي في إدنبرة قبل بضعة أيام.

ثمة أشياء كثيرة تُنسب إلى الإمبراطورة تسيشي مثل الكهرباء، خطوط السكك الحديدية، الدبلوماسية، أساليب العمل الحديثة، البحرية، نظام التعليم الجديد الذي لا تزال آثاره قائمة حتى يومنا هذا، كما أنها مَنعت الإعدام البطيء بواسطة تقديد الإنسان إلى آلاف القطع حتى الموت. كانت تسيشي واحدة من محظيات الإمبراطور، وعلى الرغم من أنها كانت أدنى مستوى من الأخريات، إلاّ أنها كانت أمّ ابنه الوحيد. فحينما توفي الإمبراطور قامت تسيشي بما يشبه الانقلاب للتخلص من الرجال الثمانية الذين يشرفون على الإمبراطور الصغير، الذي لم يجتز عامه الخامس بعد.

أمضت الإمبراطورة حياتها وهي تصدر الأوامر من خلف الستار، لأنه كان ممنوعا عليها التواصل وجها لوجه مع الرجال الذين ينفِّذون أوامرها. لم تكن للإمبراطور الصغير الذي تربى في كنف أمه أية رغبة في الحكم، لأنه كان مولعا بالجنس، ومهووسا بالمومسات والرجال المثليين أيضا.

مات هذا الابن في سن الثامنة عشرة، الأمر الذي دفعها لأن تتبنى ابن شقيقتها الذي كان عمره ثلاث سنوات وتنصبه إمبراطورا على الصين. يشير مارك براون في تغطيته المكثفة التي نشرها في “الغارديان” أن هذه السيرة “تتضمن العديد من الحوادث الغريبة، فلقد سقطت تسيشي في الحب مع خصيّ أعدم في فترة لاحقة، وكيف أنها عيّنت واحدا من دبلوماسيي إبراهام لنكولن كسفير لها في الغرب، وقبل وفاتها أمرت بتسميم ابنها الذي تبنته، لأنه كان قريبا من اليابان”.

لم تنبع فكرة تحديث الصين من فراغ، فلقد أرسلت تسيشي الكثير من المبعوثين إلى خارج البلاد، وقد كتبوا لها العديد من التقارير التي يقولون فيها أن المرأة لا تقيد قدميها، وأن النساء بإمكانهن الخروج مع أزواجهن يدا بيد، ويستطعن أن يرقصن، ويسافرن، ويمكن أن يحكمن في إشارة إلى الملكة فكتوريا.

مع أن الكاتبة تشانغ قد صرفت وقتا طويلا في ترجمة كتابها إلى الصينية، والذي سوف يرى النور في مطلع شهر سبتمبر القادم، إلاّ أن الصينيين لن يكون بمقدورهم قراءة هذا الكتاب، لأنه ممنوع من التدوال في أسواق الكتب الصينية.

كما أن جيش الرقباء على الأنترنت يحذفون كل ما يُنشر من هذه السيرة التي يتشوّق القرّاء الصينيون لقراءتها، والتعرّف على وقائعها التي تحمل الكثير من الدهشة للصينيين في الأقل.

16