تسييج الحدود وبناء الأسوار.. انقلاب اليمين على قيم التعدد

الثلاثاء 2017/01/31
ترامب: انتهى عهد إنقاذ اقتصاد وحماية حدود الآخرين

الحدود الفاصلة بين الدول ليست مجرد خطوط جغرافية أو جدران تحول دون تسرب المتسربين والهاربين والمهاجرين والحالمين بوضع أفضل في بلدان أفضل. الحدود هي أيضا سيادة وفكرة حضارية وثقافية وسياسية، لذلك تعلو دائما فكرة الحدود أو تتقلص مع المتغيرات السياسية أو الاقتصادية.

لم يرتفع منسوب فكرة تسييج الحدود، مع صعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة رئاسة الولايات المتحدة، رغم أن الفكرة كانت أحد أهم أركان برنامجه الانتخابي. الفكرة كانت من صميم أفكار الأحزاب اليمينية الأوروبية، وللفكرة صلة بالتصورات القومية. تكمن المفارقة هنا في أن الأفكار القومية عموما تركز دائما على مبدأ الحدود، لكن قد تنهض على فكرة إزالتها بين الأقطار العربية كما هو عند التصور القومي العربي، أما عند اليمين القومي الأوروبي فهي دعوة إلى تسييجها.

المهم أن لفكرة الحدود اشتقاقات سياسية وحضارية تروم الانكفاء على الذات، والذات هنا جمعية. اليمين الأوروبي الذي اتخذ موقفا من الاتحاد الأوروبي ومن “انتشال” دول أوروبية فقيرة من أزماتها استند إلى الدولة الأمة، وإلى التاريخ.

المنعرج الحاصل أخيرا مع صعود الدعوة إلى ضرورة حماية أوروبا والولايات المتحدة، حصل مع صعود ترامب رئيسا، وقبل ذلك مع علو أصوات اليمين في أوروبا. كانت الفكرة أيضا موقفا من الآخر، وتقييما انتقائيا للأحداث التي هزت العالم، وتصورا متعجلا يروم تقديم حلول للاقتصاد والمجتمع والسياسة في أوروبا، وفي الحلول المتعجلة تلك، ركون متسرع إلى تحميل الآخر، أفرادا وجماعات ودولا وحضارات وأديانا، كل مسؤوليات الشرور والأزمات.

عندما قال ترامب “انتهى عهد إنقاذ اقتصاد وحماية حدود الآخرين”، كان شعاره صدى لخطاب مارين لوبن الذي صرحت فيه بأن “عام 2017 سيكون عام استيقاظ قارة أوروبا”، وترجمة لصراخ اليميني الهولندي غيرت فيلدرز “النساء الأوروبيات خائفات الآن من إظهار شعورهن الشقراء”.

لفكرة الحدود اشتقاقات سياسية وحضارية تروم الانكفاء على الذات، والذات هنا جمعية اليمين الأوروبي الذي اتخذ موقفا من الاتحاد الأوروبي ومن “انتشال” دول أوروبية فقيرة من أزماتها استند إلى الدولة الأمة، وإلى التاريخ

الموقف من الإرهاب ومن الهجرة من الضفة الجنوبية للمتوسط صوب أوروبا، كما الانشغال بالأزمات الاقتصادية الأوروبية وبمعضلات السكان والتهرم وتقلص فرص العمل وغيرها من المشكلات، عوامل متضافرة حتمت على هندسة السياسة اليمينية في نسختيها الأوروبية والأميركية، البحث عن حلول تأخذ من كل شيء بطرف؛ تقدم ما يفيد اهتمامها بالمشكلات المحلية، وتلتفت للآخر بوصفه صانع الآثام. من هنا كان الحل منسجما ومتصالحا في الطروحات اليمينية، العنصرية أو حتى الفاشية في القراءات المنافسة، وهو أن أوروبا المتعافية هي أوروبا الخالية من المهاجرين، أو لنقل “النظيفة” من المهاجرين الزائدين على الحاجة.

في الطرح اليميني الأوروبي نكوص على ما حققته القرون الماضية من إعلاء للمواطنة، ومن تشديد على الحرية التي تتيح التنوع، من منطلق المبدأ الراسخ القائل “انظر إلى السماء كما تشاء” وهي مختصر العلمانية الأوروبية بنسخها المتعددة. في الطرح العنصري الأوروبي، كما الأميركي، استهانة بالعهد العالمي لحقوق الإنسان القائل بتعهد كل دولة طرف في هذا العهد “باحترام الحقوق المعترف بها فيه، وبكفالة هذه الحقوق لجميع الأفراد الموجودين في إقليمها والداخلين في ولايتها، دون أي تمييز بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب”.

الدعوات الجديدة المنادية بتسييج الحدود، والقائمة في ترجماتها التفصيلية على الموقف من المهاجرين ومن اللاجئين، والتي ذهبت في التفصيل إلى حد تحديد الدول التي يُمنع مواطنوها من دخول الولايات المتحدة (العراق وإيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن، والقائمة مرشحة للزيادة أو التعديل)، تفترض أيضا الالتفات إلى أن للمسألة أسبابا أخرى لا تقتصر على الفضاء الأوروبي والأميركي، بل تمتد أيضا لتشمل دوافع أخرى عند “الآخر” بالمتصور الغربي، وهو في الحالة الراهنة الفضاء العربي الإسلامي.

والالتفات يقتضي طرح أسئلة لا تجلد الذات لكنها تروم تفحص مساهمتنا (نحن بوصفنا آخر) في توفير كل أسباب نجاح الدعايات اليمينية. ألم نقدم كل ما يتيح ازدهار العنصرية والشعبوية والشوفينية الراهنة؟ هل كان تعاملنا مع الآخر المختلف قائما على الاحترام والإيمان بالتعدد، وهي الأفكار التي ننادي بها اليوم حين طالتنا شظايا أفكار التسييج والحمائية؟ ألم نسبق الأمم في رسم الحدود وتسييجها دينيا وحضاريا وتاريخيا ونفسيا؟

إقرأ أيضا

دولة دون حدود ليست دولة

طريق إلى العزلة والانطواء

12