تسييس الإعلام.. الهدف التالي للترويكا الجديدة في تونس

تعديل المرسوم 116 يفتح الباب لبعث قنوات حزبية بلا رقيب.
الخميس 2020/10/15
اشتباك السياسي والإعلامي

أثار مشروع تنقيح المرسوم 116 المنظّم لقطاع الإعلام جدلا واسعا في تونس، حيث ينصّ على ضرورة إلغاء الإجازة القانونية التي تمنحها الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري "الهايكا"، للسماح بإطلاق قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية، فضلا عن تغيير تركيبة "الهايكا" ومنح البرلمان صلاحيات أكثر في اختيار أعضاء هذه الهيئة.

تونس - تتزايد مخاوف الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) من تمرير مشروع تعديل المرسوم 116، الذي تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة في البرلمان، دفاعا عن دورها الرقابي للإعلام، ما يحول دون تسييس القطاع وفتحه أمام التمويل المشبوه.

وفي المقابل تتهم الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، بأنها تخوض معركة سياسية ضد "الترويكا الجديدة" (حركة النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس) للضغط عليها لمنع تمرير القانون.

وقال رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) النوري اللجمي الثلاثاء، إن تأجيل النظر في مقترح قانون تنقيح المرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري الذي كان معروضا على أنظار الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب (البرلمام) في جلسة الأربعاء 14 أكتوبر الجاري "لا يعني التخلي عنه"، مجدّدا في هذا السياق، دعوة رئاسة الحكومة إلى "التمسك بأحقيتها في تمرير مشروع القانون الذي كانت أحالته على البرلمان في 9 يوليو الماضي".

وأضاف  اللجمي في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء أن الهايكا تواصل القيام بحملة توعوية في مختلف وسائل الإعلام والمنابر الإعلامية، بهدف إنارة الرأي العام حول المخاطر الحقيقية لهذه المبادرة التشريعية والتي قال إنها تمثل "تهديدا للديمقراطية".

فوزية الغيلوفي: المبادرة تسوق لخطاب الكراهية وتمرير أجندات سياسية
فوزية الغيلوفي: المبادرة تسوق لخطاب الكراهية وتمرير أجندات سياسية

كما جدد رئيس الهايكا دعوة أعضاء مجلس نواب الشعب، لعدم المصادقة على مقترح القانون المقدم من كتلة ائتلاف الكرامة، باعتباره غير دستوري وخطيرا على حرية الاتصال السمعي البصري، خاصة أنه جاء لاستبعاد مشروع قانون يندرج في إطار تنزيل المقتضيات الدستورية ويتميز بالشمولية والتناغم.

وعبر اللجمي عن استغرابه من عدم اتخاذ مجلس نواب الشعب أي قرار بخصوص المبادرة الحكومية لتعويض المرسوم 116، رغم طلب الحكومة باستعجال النظر فيها.

وتواصل الهياكل المهنية وعدد من المنظمات الوطنية حملة الضغط من أجل عدم تمرير مقترح قانون لتنقيح المرسوم عدد 116 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري، الذي تقدمت به كتلة ائتلاف الكرامة بالبرلمان (18 نائبا).

وأعلن رئيس كتلة حزب قلب تونس في البرلمان أسامة الخليفي عن مساندة المقترح، علما وأن حزب قلب تونس يترأسه نبيل القروي، وهو أحد مالكي قناة نسمة الخاصة. كما لم تعلن كتلة حزب حركة النهضة رفضها أو دعمها لهذه التنقيحات، في حين أن التسريبات تؤكد أن كتلة الحزب ستدعمها، خصوصا أن هذه الأطراف السياسية الثلاثة تشكل تحالفا برلمانيا مساندا للحكومة التونسية الحالية.

ويتخوف متابعون من أن تؤدي المبادرة الجديدة إلى السقوط في فخ التشريع على المقاس والتعامل مع القوانين وفقا لأجندات سياسية ضيقة دون التفكير في العواقب.

واعتبرت عضو المكتب التنفيذي للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين فوزية الغيلوفي، "أن المبادرة التي تقدمت بها كتلة ائتلاف الكرامة غير دستورية وتؤسس لخطاب الكراهية وتضرب حرية التعبير، فضلا عن تعارضها مع المعايير الدولية لحرية الصحافة".

ودعت الغيلوفي في تصريح لـ"العرب"، إلى سحب المبادرة وعدم التصويت عليها، وتمرير مشروع القانون الأساسي لحرية الاتصال السمعي البصري الذي تشاركت في إعداده الهياكل المهنية والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري ورئاسة الحكومة التونسية ورئاسة الجمهورية.

وأضافت "لا توجد أي إرادة من أصحاب المبادرة لإنقاذ قطاع الإعلام، بل يسوقون لخطاب الكراهية وتمرير أجنداتهم السياسية وإغراق البلاد في أزمات إضافية"، مؤكدة "مواصلتهم لمعاركهم من أجل إلغاء المبادرة خصوصا بعد تعهد الرئيس التونسي قيس سعيد بعدم ختم المبادرة".

كما دعت الغيلوفي "إلى إصلاحات جوهرية من شأنها تحسين المشهد الإعلامي التونسي وخدمة الديمقراطية الناشئة، وليس تقديم مبادرات تشريعية هي بمثابة حلول ترقيعية خدمة لأجندات سياسية، وهو ما قد يؤدي إلى السقوط في فخ التشريع على المقاس والتعامل مع القوانين بمنطق المصلحة الآنية دون التفكير في العواقب المستقبلية لمثل هذه القوانين".

وتتخوف الأوساط الإعلامية في تونس من انزلاق قطاع الصحافة وحرية التعبير نحو منعرجات خطيرة تتنافى مع ممارستها في كنف الاختلاف والتعددية، فضلا عن بسط نفوذ رجال السياسة أجنداتهم على المنابر والمؤسسات الإعلامية.

الهايكا وجهت مراسلة لقناة "حنبعل" دعتها فيها إلى التوقف الفوري عن البث حتى لا تضطر إلى اتخاذ الإجراءات القانونية

وأفاد هشام السنوسي، عضو الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري، أن "الهايكا وجدت منذ سنة 2013 ثم جاء دستور 2014 واعترف بها وحوّلها إلى هيئة دستورية ونص على كيفية تغييرها وفق القانون، واليوم القانون تم تقديمه من قبل حكومة إلياس الفخفاخ المستقيلة، ما راعنا إلا أن ائتلاف الكرامة قدم مرسوم تنقيح للمشروع".

وأضاف السنوسي في تصريح لـ"العرب"، "كراس الشروط الحالي يمنع امتلاك الأحزاب السياسية لمحطات إعلامية (مثل قناة الزيتونة التي تمتلكها حركة النهضة وقناة نسمة التي يمتلكها حزب قلب تونس وقناة القرآن الكريم التي يمتلكها حزب الرحمة)".

وأشار إلى أن هذا المقترح يفتح الباب أمام قنوات أجنبية هي في الأصل متحالفة مع هذه الأحزاب وجميعنا يعلم أن هناك تدخلا تركيا قطريا في تونس.

وتابع السنوسي "الهدف هو تخريب الهايكا من هذه الديمقراطية المائعة باستغلال الشعارات ووضع اليد على صناعة الرأي العام في تونس".

ويشار إلى لجنة الحقوق والحريّات بالبرلمان، كانت صادقت يوم 8 يوليو 2020، بأغلبية أعضائها، على مبادرة مشروع قانون لتنقيح المرسوم عدد 116 لسنة 2011، قدّمتها كتلة ائتلاف الكرامة في شهر مايو 2020.

وصوتت كتل حركة النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة لفائدة تعديل المرسوم 116، في حين احتفظ نواب الكتلة الديمقراطية، مقابل تصويت نواب الحزب الدستوري الحر ضد التعديل.

ودعت كتلة حركة "تحيا تونس" إلى ضرورة تأجيل البتّ في عرض مشروع تنقيح المرسوم 116 على الجلسة العامّة نظرا لما يشوبه من إخلالات إجرائية تتعارض مع الدّستور.

هشام السنوسي: المقترح يفتح الباب أمام قنوات أجنبية وصناعة الرأي العام في تونس
هشام السنوسي: المقترح يفتح الباب أمام قنوات أجنبية وصناعة الرأي العام في تونس

وأفاد وليد جلاد النائب عن كتلة تحيا تونس بالبرلمان في تصريح لـ"العرب"، أن "المسألة تمس من أمن الدولة ومما لا شك فيه أنها مؤامرة ونحن نوجه لهم تهمة تضارب المصالح نظرا لوجود تداعيات خطيرة جدا على البلاد".

وأضاف جلاد "الترويكا الجديدة تسوق للإعلام الحزبي وتضع يدها على المؤسسات الإعلامية وهذا فيه شبهات تبيض الأموال"، مشددا أن كتلة تحيا تونس ترفض بشدة هذه المبادرة".                                                              

والثلاثاء استقبل رئيس كتلة حركة النهضة عماد الخميري وبحضور عدد من أعضاء الكتلة، وفدا عن النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين وذلك بمقر الكتلة في البرلمان.                                                              

وتمحور اللقاء حول مقترح القانون الأساسي عدد 34/2020 المتعلّق بتنقيح وإتمام المرسوم عدد 116 لسنة 2011 والمؤرّخ في 02 نوفمبر 2011 والمتعلّق بحرية الاتصال السمعي البصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري.

وسبق أن وجهت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري بتاريخ 12 أكتوبر الجاري مراسلة للقناة التلفزيونية الخاصة "حنبعل" دعتها فيها إلى التوقف الفوري عن البث حتى لا تضطر إلى اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وكانت الهيئة قد أصدرت، بتاريخ 07 سبتمبر 2020، قرارا يقضي بإيقاف إجراءات تسوية وضعية القناة المذكورة لعدم قيامها بإجراءات تغيير الصبغة القانونية للشركة المستغلة لها من شركة ذات مسؤولية محدودة إلى شركة خفية الاسم وفق ما تقتضيه أحكام كراس الشروط المتعلق بالحصول على إجازة إحداث واستغلال قناة تلفزيونية خاصة.

18