تسييس التاريخ

الأربعاء 2016/03/30

تسييس التاريخ لا يقل خطورة عن تسييس الدين، فكلاهما يقود إلى الفاشية.

تحاول بعض القوى القومية الصاعدة، هذه الأيام، في المشرق العربي إثبات مشروعية مطالبها السياسية الطموحة بتبني نظرية الحق التاريخي التي ابتدعها المؤرخون الصهاينة في القرن التاسع عشر، سواء علمت هذه القوى أم لم تعلم.

وهذه النظرية تقوم على فكرة أن حق اليهود في فلسطين هو حق تاريخي، مستمد من مملكة قديمة كانت تدعى إسرائيل تريد الحركة الصهيونية إعادة إحيائها، وتجميع، يهود العالم فيها.

وتستدعي نظرية الحق التاريخي جملة من الممارسات ليس أقلها:

* التطهير العرقي، فالحق التاريخي يقترن عادة بحقيقة أن الأرض التي يجري تحديدها كنطاق لذلك الحق تكون مسكونة بشعب أو شعوب أخرى لا تمتلك هذا الحق، ولإعادة الحق التاريخي إلى أصحابه لا بدّ من إجلاء الدخلاء الغرباء عن هذه الأرض.

* تزوير النصوص والوثائق التاريخية، فالحق التاريخي حين يصطدم بالحقائق العلمية على الأرض يبدأ بالبحث في النصوص التاريخية، وحين لا يجد؛ يلجأ إلى التزوير والتحوير والقراءة المغلوطة.

وهذا ما فعله المؤرخون الصهاينة الذين اضطروا لتزوير النقوش الأثرية أو التلاعب بها وبالوثائق التاريخية.

* الزعم بالانتماء لأقوام قديمة، ومحاولة إيجاد صلات مع تلك الأقوام، وبالتالي الدخول في عالم التأويل والادعاءات الكبرى كالانتماء المباشر لشعوب وحضارات انقرضت منذ 3 آلاف عام كالميتانيين والحوريين والسومريين والحثيين والكاسيين وغيرهم.

* التفاخر المجاني الذي يقود إلى ازدراء الشعوب الأخرى، والنظر إلى الذات القومية بوصفها منبع الفضائل البشرية كلها.

الآن يدّعي البعض من أكراد المنطقة الانتماء إلى شعوب انقرضت منذ العصر البرونزي، فقط لإثبات حق احتلال أراض لا يوجد فيها أكراد اليوم، وبالتالي فهؤلاء يتبنون نظرية بعثية مقلوبة، على اعتبار أن البعثيين كانوا يقولون إن جميع الشعوب التي يطلق عليها اسم الشعوب السامية، هي في الحقيقة شعوب عربية، والآن يأتي بعض من الأكراد الذين يتصدون للتاريخ القديم ليقولوا إن جميع الشعوب التي لا تصنف على أنها سامية في المنطقة هي حتما شعوب كردية.

طبعا الأكراد والعرب في المنطقة ليسوا بحاجة إلى نظرية الحق التاريخي، فالوجود المادي العياني المشخص أقوى، كما كل محاولات استدعاء التاريخ أو الاستعانة بنظريات عنصرية أثبتت الوقائع أنها لم تنجح في تحويل المهاجرين اليهود إلى شعب طبيعي حتى بعد مرور قرن ونصف القرن على بدايات الاستيطان في فلسطين.

هذه المزاعم والمزاعم المضادة، ستقود إلى ردود أفعال على الأرض وستفتتح تاريخا يكتب بالدم لعقود قادمة.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14