تسييس الدين وتديين السياسة.. الزواج القاتل

تطويع الاختلافات الدينية والمذهبية والعقائدية كان في قلب المخططات الاستعمارية لتقسيم الشرق الأوسط، زيادة على أن هذا التطويع حكم آليات الصراع العربي الإسرائيلي، حيث سعت دولة الكيان إلى اتخاذ البعد الديني أساسا لاحتلال الأرض. وعلاقة الدين بالسياسة هي أشبه بالزواج القاتل ما بين ضدين، ذلك أن تسييس الدين وتديين السياسة أصبحا في صلب استراتيجيات الحركات الجهادية العنفية ذات المرجعيات التكفيرية وكذلك في استراتيجيات الدول الكبرى ومصالحها.
الجمعة 2015/10/09
الصراعات الغربية الشرق أوسطية محكومة بتطويع الوازع الديني لغايات سياسية

عبر التاريخ كانت العلاقة بين السلطتين الزمنية والروحية وثيقة إلى أبعد الحدود، فكان للسلطة الروحية المتمثلة “بالعرّاف أو الساحر” دور هام في وضع ما يشبه التشريع للمجتمعات لقولبتها حسب رؤيا الحاكم.

ومع تطور المجتمعات كان لرجال الدين في بلاط الملوك والسلاطين دور فاعل في قولبة المجتمعات، فسادت محاكم التفتيش أوروبا، وسيطر الفكر الديني على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، ما جعل العقيدة الدينية تختفي خلف أقوال وأفعال وأحيانا ارتباكات السلطة الروحية والقائمين عليها.

ورغم القفزات الكبرى للبشرية بقي للدين دور هام في كافة الأمم، مع تفاوت في طرق التأثير نتيجة اختلاف السياسات بين الدول العربية والغربية المصنّفة تحت لواء المجتمعات العلمانية “الديمقراطية أو الاشتراكية”، التي تقلص فيها تأثير الدين على حركة المجتمع وتطوره، لكنه بقي يرسم ظلاله على نظرة الحكومات الغربية للأفراد واختزالهم ضمن هوياتهم الدينية، كاختزال الجالية الإسلامية في العالم الغربي في هويتها الدينية، وتم اعتبارها فئة ذات إشكالية اجتماعية مع تنامي ظاهرة الإرهاب “الإسلامي”، رغم أن هذه الظاهرة هي نتيجة لعوامل متعددة، منها ما هو فكري يتعلق بمفاهيم تتعارض مع أصول الدعوة وخلاصة التجربة الإسلامية وفي الابتعاد عن المفهوم الحضاري للدين، ومنها حالة القهر المجتمعي والصراعات الدولية الكبرى إبان الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن، التي أهّلت “المجاهدين الأفغان” ليكونوا خميرة لانتشار الإرهاب الديني السياسي.
إن حالة تسخير الدين تم استخدامها جيدا من قبل كافة الدول، فالاستعمار الغربي عمل على تغذية التعصب والمخاوف الطائفية باستخدامه قاعدة “فرّق تسد” التي اعتمدت الشحن الطائفي والمذهبي والعرقي، للسيطرة على الدول العربية المحتلة، فقسّم الاحتلال الفرنسي سوريا طائفيا (دمشق، حلب، الدروز، العلويون، لبنان الكبير)، وحاول بسط حمايته ورعايته للمسيحيين.

كما ظهر دور الدين في الصراع “العربي الإسرائيلي”، إذ تم توظيف التاريخ والدين لخدمة أهداف سياسية بحتة، فكانت فكرة الوعد الإلهي لليهود أساسا لشرعية امتلاك الأراضي المقدسة، والتمدد من “الفرات إلى النيل”، كشرط لعودة “المسيح المنتظر”، التي تبناها التيار الأيديولوجي اليميني المسيحي من “الإنجيليين البروتستانت”، وممّن ينتمون للكنيسة المعمدانية، الذين يؤمنون بأسطورة “هرمجديون التوراتية”، وهذه العقيدة وليدة الربط بين العهد القديم والعهد الجديد مما جعله كتابا مقدسا واحدا لدى الطوائف الدينية في أجزاء من أوروبا والولايات المتحدة.

الاستعمار الغربي عمل على تغذية التعصب والمخاوف الطائفية، باستخدامه الشحن الطائفي والمذهبي والعرقي

أحداث 11 سبتمبر 2001 شكلت حالة مفصلية مثالية لزج الدين في مستنقع الحروب القادمة، فصار هو الغطاء الرئيسي لعملية صنع القرار الأميركي تجاه منطقة الشرق الأوسط، والحرب على الإرهاب.

وخلال إدارة جورج بوش تحولت القوّة الدينية اليمينية المتغلغلة في الحزب الجمهوري إلى قوّة سياسية ضاربة، فجاءت “رؤياه” لغزو العراق نتيجة التزاوج بين الدين والسياسة، وتم السير في ركبها بصفتها حربا مقدسة “صليبية”، أنتجت لدى شرائح واسعة من المسلمين رد فعل مضاد وعدائي للغرب، تم تبنّيه والتأكيد عليه كحق شرعي للرد من كافة الجماعات التي تضرب بسيف المقدسات وترفع راياتها.
ورغم أن الغرب حاول الخروج من هذه المقولة لاحقا نظرا لمحمولاتها السلبية، لكن روسيا بوتين أعادتها إلى الأذهان بتدشينها ما أسمته “الحرب المقدسة” في سوريا، علما أن استدعاء المقدس في الحروب ما هو إلا إيقاظ للغرائز القاتلة، لا سيما إذا ارتبطت بزعم الدفاع عن الخير، وهو زعم يحوزه الخصوم بالمقدار نفسه.

إن مسمّى “حروب مقدسة” هو إعادة تدوير لنفوذ القوى الإقليمية والعالمية ولرسم جغرافيا مختلفة تحقق مزيدا من الهيمنة، يحاولون تغطيتها ضمن طقسية سياسية تكلل حالة زواج سياسي- ديني قاتل، ينتجها فكر جاهلي ويشرّعها خلل التعاطي مع الآخر وتبعثها أزمة الهوية والانتماء، ولن تنجب سوى عودة نحو البدائية.

13