تشاؤم في الدوحة

الأربعاء 2014/05/28

تجاذبت أطراف الحديث مع صحفي محلي خارج القاعة الرئيسة لمؤتمر منتدى الدوحة. علق محدثي وهو يشير بامتعاض إلى مساحة السجاد الفارغة قائلا: “هذا المكان أصبح ميتا. قبل خمس أو ست سنوات كنت بالكاد تجد مكانا تقف فيه”. في تلك الأيام الزاهرة كان وزراء الخارجية يختلطون بالصحفيين من الطراز الدولي، أما اليوم فالدوحة تجذب البرلمانيين الأوروبيين، وأنا. الأمر شبيه بالذهاب إلى “غوا” بعد أن شدّ كل الهبيين الرحال إلى كاتمندو.

الدوحة عاصمة قطر، وهي بمثابة “بفرلي هيلز″ الخليج. دولة صغيرة جدا تعد 200 ألف ساكن قوتهم يأتيهم من الغاز الطبيعي، ليس لها قرار. في العشرية الماضية استعمل أفراد عائلة آل ثاني الحاكمة ثروتهم لإرساء عاصمتهم كعاصمة للدبلوماسية الإقليمية والصحافة والثرثرة، فهناك الجزيرة، و”بروكنغز″ الدوحة، ونقاشات الدوحة، وطبعا المنتدى الذي يصبو إلى أن يكون بمثابة دافوس الخليج.

بالرغم من ذلك، نظرة واحدة تلقيها على القاعة الرئيسة للمنتدى حتى تتبين لماذا الدوحة بعيدة عن صورة دافوس. ففي الأيام المزهرة كان المشاركون في المنتدى يسكنون في وحدات مثالية تطل مباشرة على الخارج، وهو ما يحول دون أي تبادل بينها. وكانت هناك مساحة عرضها ثلاثون قدما من السجاد الفارغ يفصل الحضور عن صفين من الكراسي الشبيهة بالعروش تتربع عليها شخصيات مهمة، ووراء هذه العروش نصبت مقاعد عامة. هيئة من المتحدثين كانت في الغالب تتكون من أربعة أو خمسة خبراء، يلقون الخطب تليها تلاوات من الحضور كانت تستهل بعبارات محبطة من قبيل “أرغب في إثارة أربع نقاط”. يبدو أن القطريين لم يستبطنوا بعد مقاييس الخطاب الغربي، وهو ما يمكن أن يساعد على تبرير تراجع مكانة المنتدى.

الموضوع الضمني للندوة التي استمرت على مدى يومين هو : “إلى أين تسير المنطقة في أعقاب الربيع العربي؟” تحدث المتدخّلون عن التطور الديمقراطي وحقوق الإنسان والطاقة والإعلام. كان المزاج يتميز بانخفاض النسق بالرغم من أن المتحدثين كانوا منقسمين حول مسألة هل يجب أن يلام الغرب على محاولة التدخل في الشؤون العربية أو عدم الوقوف إلى جانب المواطنين العرب في مواجهة الزعماء المستبدين.

أبرز المشاركين في المنتدى وزير الخارجية ورئيس الوزراء الفرنسي سابقا دومنيك دي فلبان. فلبان رجل وسيم جدا له خصلة شعر فضية مع موهبة مدهشة في الطلاقة في الكلام. عنده القدرة على صياغة أفكار مغرقة في التجريد بسرعة فائقة مثل خطيب يشارك في مسابقة “الجائزة الكبرى”. خلال الغداء الافتتاحي قال فلبان إن العالم فقد التوازن جراء “الافراط” في الأيديولوجيا والعدوان الأميركيين، فكان على رجال السياسة أن يعيدوا اكتشاف الحكمة، الحكمة الفرنسية الخاصة بـ”التوازن".

وفي خطاب عن الديمقراطية في الصباح التالي أطنب فلبان في الحديث عن الواقعية الديغولية، إذ جادل بأن أيديولوجيا ترويج الديمقراطية لم تضعف فقط المنتفعين المستهدفين لكنها أيضا عجلت في انهيار الدولة-الأمة ذاتها. لقد أنتج توسع الاتحاد الأوروبي “ديمقراطيات شكلية دون روح الديمقراطية” و”عودة إلى الفساد والزبونية”. واقترح فلبان كبديل لذلك “عهدا ثانيا للديمقراطية” بتوجيه من الوعي بأن كل بلد يجب أن يتطور حسب المنطق العضوي الخاص به وفي الوقت الخاص به. وهذه موعظة تحتاج قلة قليلة من الدبلوماسيين الغربيين الكبار سماعها، فالمرء ينتابه شعور بأن فلبان (الذي تزعم الحملة الدولية لوقف الولايات المتحدة عن خوض الحرب في العراق) كان يعيد مقاضاة سنة 2003.

الرد جاء من جساك بروتاسيافيتش نائب رئيس الاتحاد الأوروبي من بولندا. بوصفه المسؤول عن الشركاء الشرقيين الذين أشار إليهم فلبان، قال بروتاسيافيتش إنه صدم بالكلام المتكرر للحكام المستبدين في أماكن مثل روسيا البيضاء وأذربيجان، حيث قالوا إن “شعبنا لا يريد الديمقراطية. إننا نفضل الزعامة القوية”، في حين أن المواطنين في الجانب الآخر من الحدود يطالبون بالحريات الديمقراطية. كم هو غريب أن يكون شعب مختلف لهذه الدرجة عن شعب آخر لا يفصله عنه إلا نهر. ويقر بروتاسيافيتش بأن التطور الديمقراطي يستغرق وقتا لكنه يرى أننا يجب ألا نترك خطط الدكتاتوريين تحجب عنا طموحات الشعوب. كانت هناك لحظات فريدة بصدق، فهذا شهيد مالك وهو وزير سابق للتنمية الدولية في حكومة غوردن براون في بريطانيا يلقي بخطبه على الحضور عن الفشل الأخلاقي الذريع لدى الغرب في سوريا ومصر. وشبّه الجهاديين الذين يسافرون من بلدان أوروبية للقتال في سوريا بمعادي الفاشية الذين قاتلوا في أسبانيا سنة 1936. ويعلق قائلا ليس للغرب الحق في انتقاد مثل تلك الخيارات ما داموا يتشبثون بالمعايير المزدوجة لإجراء تدخل عسكري في ليبيا، لكن ليس في سوريا. عندما تساءل أحد الحاضرين عما إذا كان الجهاديون أسوأ من النظام الذي يسعون إلى إسقاطه سخر مالك من السؤال بوصفه “ساذجا” بما أنه لا يمكن تخيل حكومة أكثر شرا من حكومة بشار الأسد.

لقد كان كبرياء واشنطن الذي انتقده دومنيك دي فلبان نتاجا لعصر ولى. ثم جاء الانتقاد الأبرز من شخصيات سامية في الخليج تقول إن إدارة أوباما بلا إيمان وعاجزة. وقام الحكماء في الشؤون الدولية ذوو الحساسية بصفة خاصة للسعوديين العنيدين بإعادة صياغة هذا الازدراء وإعطائه معنى الاعتقاد التقليدي، وهو على الأقل أقرب إلى الحقيقة من لغو العدوانية الأميركية. وبالرغم من ذلك كله يحتاج السعوديون إلى إعادة النظر في الواقع أكثر مما يحتاج الأميركيون، وهو ما يجب أن يكون موضوع المنتدى في السنة المقبلة.

محلل في"فورين بوليسي" وزميل في مركز التعاون الدولي ومؤلف "أجندة الحرية"

7