تشابك الأزمات الكبرى في العالم يقتضي معالجة جيوسياسية شاملة

الأربعاء 2015/03/04
التدخل الروسي المتواصل في الأزمة الأوكرانية مازال ينبئ باحتدامها مجددا رغم جهود التهدئة المبذولة

شمل تقرير صادر عن مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية والأمنية ثلاثًا من القضايا التي شغلت المجتمع الدولي، مؤخرًا؛ اتفاق وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، الذي تمّ توقيعه في مينسك، والتقدم الذي شهدته المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبقاء اليونان ضمن منطقه اليورو وفقًا للاتفاق الذي جري في مدينه بروكسل، لافتا إلى أنّ تلك القضايا لا تنفصل عن بعضها البعض، وإنّما هي ملفات لأزمات متشابكة ومترابطة. كما أنّ إدراك طبيعة هذا التشابك بينها هو الخطوة الأولى لتقييم المواقف والتكهنات المستقبلية بشأنها.

تمّ التوصل، مؤخرا، في بروكسل إلى اتفاق مؤقت يقضي بالإبقاء على اليونان داخل منطقة اليورو، كما تمّ الاتفاق في العاصمة منسك على خارطة طريق تقضي بوقف إطلاق النار في أوكرانيا، وبالتزامن مع هذين الحدثين الأولين قدّم المفاوضون الإيرانيون مشروع اتفاق نووي في جينيف. ثلاث خطوات تفصل بينها أيام قليلة، تمكنت من خلالها فرق من الدبلوماسيين من تجنّب أزمة جيوسياسية تلو الأخرى، لكن على الرغم من ذلك مازال من المبكر (ومن التهور حتى) افتراض تحقق استقرار فعّال لخطوط التماس التي ترسم حدود هذه القضايا. وأوّل خطوة في اتجاه تقييم توقيت ومكان احتمالية تفجّر أزمة من جديد تتمثل في فهم كيفية ترابط هذه الأزمات ترابطا وثيقا.


ألمانيا وأزمات منطقة اليورو


أصبحت ألمانيا من جديد ضحية لقوّتها، فبوصفها المُقرض الأوروبي الأكبر تملكُ ألمانيا نفوذا سياسيا ضخما على البلدان المدانة مثل اليونان التي يتوقف معاشها برمته حاليا على مدى استعداد المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إمضاء صكّ جديد في إطار خطة الإنقاذ. وتُصدر ألمانيا ما يساوي نصف ناتجها الداخلي الخام تقريبا، وأغلب هذه الصادرات تستهلك داخل أوروبا، ومن ثمّة فإنّ المؤسسات التي تعتمد عليها ألمانيا لحماية أسواقها التصديرية هي نفس المؤسسات التي يجب على برلين محاربتها من أجل حماية الثروة الوطنية الألمانية.

وصف كثيرون اتفاق بروكسل الأخير بأنّه انتصار لبرلين على أثينا، إذ وقف وزراء المالية في منطقة اليورو بما في ذلك وزراء البرتغال وأسبانيا وفرنسا إلى جانب ألمانيا في إنكار حقّ اليونان في التملص من تعهّدات الديون لديها. لكنّ ميركل أيضا ليست على وشك المقامرة بكمية غير محدودة من أموال دافعي الضرائب الألمانيّين استنادا إلى تعهدات يونانية واهية للتخفيض في التكاليف وفرض إصلاحات هيكلية على شعب مازال إلى حد الآن ينظر إلى حزب سيريزا الحاكم على أنّه منقذه من التّقشّف.

كلما سعت ألمانيا إلى ربح المزيد من الوقت كلما ازدادت المواقف التفاوضية الألمانية واليونانية تصلبا

خلال أربعة أشهر من الآن ستكون اليونان وألمانيا في مواجهة جديدة، ومن المرجح أن تفتقد أثينا المؤهلات التقشفية التي تحتاجها برلين حتى تقنع المعارضين للاتحاد الأوروبي داخلها بأنّها تملك الثقل والمصداقية لفرض سياسة التقشف الألمانية على باقي أوروبا. وكلما سعت ألمانيا إلى ربح المزيد من الوقت كلما ازدادت المواقف التفاوضية الألمانية واليونانية تصلّبا، وازدادت معها جديّة خطر خروج اليونان من منطقة اليورو في نظر التجار ورجال الأعمال والسياسيين، وهي الخطوة الأولى في سلسلة أحداث يمكن أن تحطم منطقة اليورو.

من أجل قيادة ألمانيا وسط أزمة أوروبية متصاعدة تحتاج ميركل إلى تهدئة الجبهة الشرقية. ولذلك ليس من الغريب أنّها بذلت جهودا مضاعفة ووضعت جدول سفر لا يهدأ للتّوصل إلى اتفاق آخر مع روسيا في منسك بخصوص الأزمة الأوكرانية. كان الاتفاق معيبا منذ البداية لأنّه تحاشى الإقرار بالمُحاولات الجارية الّتي يقوم بها الانفصاليون المدعُومُون من روسيا لتجاوز خطّ التماس عبر ضمّ جيب دبلتساف إلى منطقة نفوذهم. وبعد عدة أيام إضافية من التفاوض عمد الألمان (مرة أخرى مستغلين موقفهم كمقرضين، هذه المرة ضدّ أوكرانيا) إلى دفع الرئيس الأوكراني بوروشنكو بهدوء إلى قبول الواقع الذي تفرضه أرض المعركة، والمُضيّ قُدما في اتفاق وقف إطلاق النار. لكن حتى وإن تمكنت ألمانيا من جهة وروسيا من الجهة أخرى من إحداث هدوء نسبي في شرق أوكرانيا فلن تكون لذلك فائدة تذكر، في علاقة بالتخفيف من حدّة الصراع القائم بين الولايات المتّحدة وروسيا.


الارتباط بين أوكرانيا وإيران


على عكس الرأي العام السائد في الغرب ليس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مدفوعا بطموحات مخبولة للسيطرة على الأراضي الأوكرانية. هو فقط ينظر إلى الخريطة تماما مثلما فعل أسلافه على مدى قرون في محاولة لتأمين بلاده من دولة تنضوي تحت جناح قوة عسكرية من الدول الغربية. ومثلما ذكّرت الولايات المتحدة موسكو مرارا، خلال الأيام الماضية، يحتفظ البيت الأبيض بخيار إرسال مساعدات قتالية إلى أوكرانيا، ومع المعدات الثقيلة يأتي المدرّبون، ومع المدربين يأتي الجنود على الأرض.

من زاوية نظر بوتين بإمكانه أن يرى منذ الآن الولايات المتحدة تتمدد إلى ما هو أبعد من حدود الناتو لحشد حلفاء جدد على الحدود الروسية. وحتى في الوقت الذي تعقد فيه اتفاقات وقف إطلاق النار المؤقتة في شرق أوكرانيا، لا شيء يحول دون تغلغل أميركي أعمق في المنطقة. تلك هي الفرضية التي ستدفع تحركات بوتين في الأشهر المقبلة وهو يراجع خياراته العسكرية التي تشمل بناء ممر أرضي إلى جزر القرم، والقيام بحملة أكثر طموحا في اتجاه الغرب لترسي عند نهر دنيبر، وأعمال استطلاعية في دول البلطيق لاختبار مصداقية حلف الناتو.

إحداث هدوء نسبي في شرق أوكرانيا لن تكون له فائدة تذكر في علاقة بالتخفيف من حدّة الصراع القائم بين أميركا وروسيا

ليست لدى الولايات المتحدة إمكانية الحيلولة دون كل واحدة من هذه الخيارات، ولذلك عليها أن تستعدّ بناء على تلك الحقيقة. بيد أن التركيز على الساحة الأوراسية ينطوي أولا على الربط بين النهايات المتباعدة في الشرق الأوسط بداية من إيران. ومن ثم نأتي إلى جنيف حيث اجتمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف في الثاني والعشرين من فبراير الماضي للعمل على بقية النقاط التي يتضمّنها الاتّفاق النووي قبل الواحد والثلاثين من مارس الجاري، وهو التاريخ الّذي يفترض أن يبرهن فيه الرئيس باراك أوباما أنّه حقّق ما يكفي من التقدم في المفاوضات لثني الكونغرس عن فرض المزيد من العقوبات على إيران.

وإذا كانت الولايات المتحدة تريد فعلا أن تتجنب سيناريوهات تواجه فيها القوات العسكرية الأميركية روسيا في أوروبا، عليها أن تقوم سريعا بإعادة نشر قوات قضّت الـ12 سنة الماضية تعمل على إطفاء حرائق أشعلتها إمارات جهادية متشعّبة، وأن تستعد لصراع محتمل في الخليج العربي. ولكي تخفف حملها في الشرق الأوسط ستتوجه الولايات المتحدة إلى قوى إقليمية لديها مصالح خاصّة، وفي كثير من الأحيان مصالح متضاربة، لتحمّلها قسطا أكبر من العبء.

إنّ التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران يتجاوز كثيرا الاتفاق حول كمية اليورانيوم التي يسمح لإيران بتخصيبها وتخزينها ومقدار التخفيف في العقوبات مقابل الحدّ من برنامجها النووي، فهذا التفاهم يجب أن يرسم حدود منطقة النفوذ الإيراني الماضية في التوسع بشتى السبل من خلال أجندتها التي تتضارب مع مصالح حلفاء واشنطن في المنطقة. وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة ستكون أكثر حذرا في صياغة تصريحاتها للعموم في محاولة للحدّ خاصة من القلق الإسرائيلي، يقال إن مسؤولين أميركيين قدموا تصريحات إيجابية عن دور “حزب الله” في محاربة الإرهاب عندما يتحدثون بصفة شخصية مع محاورين لبنانيين في لقاءات جرت مؤخّرا. وقد يبدو هذا الأمر في ظاهره أحد التفاصيل الصغيرة، لكن إيران تعتبر التقارب مع الولايات المتحدة فرصة للحصول على اعتراف بـ”حزب الله” كفاعل سياسي شرعي، وهو ما يمكن أن ينعكس سلبا على أمن المنطقة وعلى علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية المتضررة من هذه الأذرع التي تستغلها إيران لفرض نفوذها، وفق محللين.

واشنطن ستعول على قوى إقليمية لقضم أطراف مجال النفوذ الإيراني حتى في ظل توصلها إلى اتفاق معها

لن يكتمل التقارب الأميركي الإيراني بحلول شهر مارس أو يونيو أو أيّ أجل آخر تحدده الولايات المتحدة لهذه السنة، فالاتفاقات الإطارية حول المسألة النووية وتخفيف العقوبات ستطبّق بالضرورة على مراحل، ممّا يمدد المفاوضات فعلا إلى سنة 2016 حتى يتمكن الكونغرس من السماح بانتهاء قانون العقوبات الأساسية المسلّطة على إيران بعد عدة أشهر من اختبار امتثال طهران وبعد تجاوز هذه الأخيرة لانتخاباتها البرلمانية.

ويُمكن أن تطرأ موانع في الأثناء، مثل وفاة المرشد الأعلى آيات الله خامينئي. لكنّ الولايات المتحدة بغض النظر عن الحزب الحاكم ستُعطي الأولوية لخطر صراع متنام في منطقة أوراسيا على حساب مسألة تخفيف الصراع مع إيران. وحتى مع وضع اتفاق نووي لأسس تفاهم أميركي إيراني، ستعوّل واشنطن على قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية لقضم أطراف مجال النفوذ الإيراني، وهو ما يُشجع على تشكيل التّنافس الطبيعي في المنطقة لخلق توازن نسبي في القوى مع مرور الوقت.


عود على بدء


تحتاج ألمانيا إلى صفقة مع روسيا حتى تتمكن من إدارة أزمة وجودية بالنسبة إلى أوروبا، وروسيا بدورها في حاجة إلى صفقة مع الولايات المتحدة للحدّ من الانتهاك الأميركي لمجال نفوذها، والولايات المتحدة في حاجة إلى صفقة مع إيران لإعادة تركيز اهتمامها على روسيا. وهكذا لا ينفصل أيّ صراع عن الآخر، على الرغم من أنّ كلّ صراع من حجم مختلف. ويمكن لألمانيا وروسيا أن تجدا طرقا لتسوية خلافاتهما، مثلما هو الشأن بالنسبة إلى إيران والولايات المتحدة.

لكن لا يمكن تجنّب أزمة مطوّلة في منطقة اليورو، ونفس الشيء ينطبق على ارتياب روسيا الشديد من النوايا الأميركية تجاه محيطها.

كلا المسألتين تعيدان الولايات المتحدة إلى منطقة أوراسيا. وبسبب تشتت تركيز ألمانيا، ستجبر الولايات المتحدة على تجاوز حدود الحلف الأطلسي لتطويق روسيا الّتي من المؤكد أنّها حتى في الظروف الاقتصادية الصعبة ستجد طريقة للرّد.

6