تشارلي شابلن المضحك المبكي.. دون أية كلمات

السبت 2014/01/11
في أواخر أيامه كان شابلن خائفا من نسيان الجمهور له

بفضل الفن والخيال، والضحك وحده، والسخرية الناعمة والمرحة، لدى العبقري تشارلي شابلن، استطاعت شخصياته المهزومة، الفقيرة والبسيطة، أن ترتقي إلى أعلى السلالم والمراتب، ربما لأنه أراد أن يظهرها في صور أبطال طيبين، وهو ينفذ عميقاً لاستقراء صورها وملامحها من أجل ملامسة عمقها الإنساني، ضمن التزامه الدائم بقضايا الإنسان المثقل بشتى أصناف العذاب، التائه في حياته بين دروب الحزن والألم والتعاسة.


الطفل اليتيم المعجزة


ولد تشارلي سبنسر شابلن في 16 أبريل من العام 1989، في لندن، وكان والده مغنيا وممثلا، أما والدته هانا شابلن، فقد كانت أيضا مغنية وممثلة تعرف باسم ليلي هارلي، وقد انفصل والداه قبل أن يبلغ طفلهما سن الثالثة، وبعد سنوات عاش في ميتم يتبع الأسقفية، وحين توفي أبوه، بسبب إدمانه على الكحول، قبل أن يبلغ سن 13 عاماً، انتقل تشارلي للعمل مع فرقة من الراقصين الشباب، ثم رحل إلى العالم الجديد في الولايات المتحدة الأميركية، في العام 1912، ثم عاد إلى لندن، ثم قرر أن يكرّر المحاولة ليجد طريقه، وبدأ عمله في التمثيل وتسلية الجمهور، حتى عثر على فرصة لتمثيل فيلم سينمائي، وكانت تلك الفرصة هي كل ما يلزم ليصعد تشارلي شابلن إلى قمة مجده بدءاً من العام 1914.


التواصل هدف السينما الأول


وقد كان تقمصه لأدواره، إلى جانب موهبته الحاضرة كفنان، عنصرين كافيين، ليخلب شابلن ألباب المشاهدين، وينتزع الابتسامة من العديد من الوجوه العابسة والمهمشة، ويحقق التواصل الإيجابي والفعال مع معجبيه في كل مكان، الأمر الذي أسعفه في كسب ثقتهم ومودتهم، وبالتالي تبوّؤه، كتتويج لهذه الثقة وذاك الإعجاب، حظوة ومكانة مرموقة في تاريخ الفكاهة والضحك والكوميديا العالمية عموما، وفي نوع الكوميديا السينمائية الصامتة على وجه الخصوص، ومكّنه كل ذلك من أن يُعرف كأعظم فنان وأشهر ممثل كوميدي على الإطلاق طوال القرن العشرين.

يستثمر شابلن فكاهته في معظم أفلامه، التي تعتبر، كما نلمحها في تعليق د. وجدي كامل، “أفلاما ناقدة ومتهكمة من عموم النظام الرأسمالي، الذي رأى فيه شابلن نظاما قاهرا لإنسانية الفرد ومجردا له من حقوقه الوجودية والعيش الكريم، عندما انحاز في أدائه إلى الشخصيات المتعددة التي قام بأدائها، إلى فئة البسطاء وجماهير المتشردين كضحايا أصليين لنهب المال وطغيان سلطته.

بسبب اهتمامه بحياة البسطاء اتهمه الأميركيون بالشيوعية وحوكم واضطر إلى الانتقال إلى أوروبا

ونظر تشارلي إلى الآلة الصناعية كأداة دمار بدلا من الإعمار وصون الكرامة وجلب السعادة للمسحوقين من بني البشر عندما حولتهم إلى أرقام في ذاكرتها (…)، وتميزت تجربته منذ البداية باستخدامه الكوميديا السوداء كسلاح لإنهاض الوعي الجماهيري وتعميقه بالنتائج الكارثية لسلطة رأس المال ودورها في مقاومة بؤس الطبقات الدنيا”.

ويعتمد أداؤه التمثيلي في أعماله السينمائية الصامتة الخاصة به، على الحركة وفن الإيماء وكوميديا الموقف، فقد برع فيها تأليفا وإخراجا، إلى جانب تفرده في أدائه التمثيلي الطريف والطري في الآن نفسه، وتستمد هذه الآلية حضورها في هذا السياق، وتكتسب قوتها ضمنه، لكونها في موضع القانون الذي يحكم ويسود ظواهر مضحك الحركات والإشارات.


طفولية شابلن


من هنا، تغدو بعض حركات شابلن مضحكة، كتقليد اللعب الطفولي مثلا، الذي يصير مضحكا في غياب توقعنا للطفل حينما يقلد. إنه الطفل الذي تركه شابلن نائما في داخله، يحمله كمبدع فوق كتفيه، ويكاد يهيمن على تمثيله، وكأنه طفل كبير يتبدى بسذاجته وتلقائيته في مشيته وابتسامته وحركاته الرشيقة، ليصبح الباعث على الضحك في هذا الإطار متجليا في الكوميديا، من خلال التقليد المضحك لبعض الحركات بشكل آلي، التي يعد شابلن رجلها الأول بامتياز.

قال شابلن عن أحد أفلامه :”قرّرت الذهاب إلى هونولولو، مصطحبا معي بوليت وأمها، تاركا في المكتب تعليمات بعدم إبلاغي بأي رسالة.. أبحرنا من لوس أنجلس، ووصلنا إلى سان فرانسيسكو تحت وابل من المطر الغزير (…)، لكن حين وصلنا إلى هونولولو، هالني أن ألمح ملصقات كبيرة تعلن عن الأزمنة الحديثة، والصحافة تنتظرني على رصيف الميناء، جاهزة لافتراسي، وليس من وسيلة للنجاة”، ويستمد هذا الفيلم سبب تميزه وما لقيه من إقبال، من جهة ثانية، مما عرفه من انتشار وترحيب على مستوى أدبيات النشر الإعلامي والنقد السينمائي قبل عرضه، وانقسمت آراء النقاد بشأن موضوعه بين معتقد أنه شيوعي وآخر يقول إنه ليبرالي، وعن هذا الاختلاف يقول شابلن: “ولا ريب أن ذلك كان بسبب ملخص للقصة نشرته الصحف، لكن النقاد الليبراليين كتبوا أن الفيلم ليس مع الشيوعية ولا ضدها، وأنني بقيت في الواقع، رجلا في البور ورجلا في الفلاحة”.


الأزمنة الحديثة


وفكرة فيلم الأزمنة الحديثة، كان قد استوحاها شابلن من قصة واقعية محزنة ومؤثرة، انتبه إليها بعمق وذكاء في إحدى مقابلاته التي أجراها سابقا، ومنحها لمراسل شاب يعمل في جريدة World النيويوركية، التي يحدثنا عنها شابلن في هذا الإطار بقوله: “حين علم أني سأزور ديترويت، حدثني عن سلسلة التركيب الموجودة هناك: تلك القصة المحزنة للصناعة الكبرى، التي تجتذب من المزارع شبانا أقوياء يصبحون بعد أربع سنوات أو خمس من العمل على السلسلة كائنات بشرية واهنة”.

وإذا كان نجم شابلن، قد سطع من بين ثلة من السينمائيين المشهورين في عصره وعند جمهوره في سماء الفن، بفضل تمثيلياته الكوميدية الصامتة، التي يتحول حضور ذاته فيها كممثل، من شخصية إلى أخرى، وتفوق ببراعة وإتقان لافتين، في تقديمها في صور ساخرة برشاقة وخفة ظل منقطعة النظير، تقوم على الإشارات والحركات والمواقف وغيرها من الأنماط والأساليب المعتمدة في إثارة الضحك، فإن أساليب المضحك هذه هي ما يمكن للقارئ اكتشافها وتتبع تجلياتها، كما أورد شابلن بعضها مكتوبا في حكيه لسيرته الذاتية، التي لم تكن خالية بشكل أكيد من إشارات عابرة لبعض من أعماله وأفلامه.

في الولايات المتحدة وجد شابلن فرصته للتمثيل في السينما فبرع في أداء أدوار البسطاء الطيبين

وكان شابلن مؤمنا بضرورة المسرح في الوجود، إلى درجة دفعت به إلى أن يعجب وينحاز إلى أحد الأشخاص، ثم يبني معه علاقة صداقة، لا لشيء سوى أنه اكتشف فيه حبه وعشقه الكبير للمسرح. وفي هذا الصدد نجده يقول: “لكن سيسيل كان مجنونا بالمسرح، وهذا الشغف النهم هو الذي دفعني لأصير صديقه. كان يقول: المسرح يمد الروح بالقوة”.

وفوق ذلك كله، فقد كان شابلن واعيا بأهمية الفكاهة ودورها في الحياة، وقدرتها العلاجية على تنمية الروح والنفس الإنسانيتين وفي حفظ سلامة الإنسان العقلية والبدنية، والدفع بها إلى مستوى مرتفع من اعتبار الذات واحترامها. كما كان فطنا كذلك، بقيمتها الوظيفية في التخفيف من التوتر والقلق والأزمات والضغوط النفسية والانفعالية التي تساور الإنسان، حتى في أشد اللحظات التي يختل فيها توازنه، ومن ثم قدرة الفكاهة على تحويل الإنسان من حالة محزنة إلى أخرى سارة.

ويتجلى إلمام شابلن بالفكاهة كظاهرة لا يمكن الاستغناء عنها في التمثيل كما هو الشأن بالنسبة إلى الحياة، من خلال التعريف الذي نسوقه له في هذا الصدد، يقول فيه: “إن تصوري الخاص للفكاهة مختلف بعض الشيء: أرى أنه الميلان الخفيف الذي نميزه في ما يبدو عن السلوك العادي. بتعبير آخر، إن الفكاهة تسمح لنا بأن نرى ما هو غير عقلاني يبدو عقلانيا. إنه يعزز أيضا غريزة البقاء لدينا، ويحفظ صحتنا العقلية. بفضل الفكاهة يصبح رزوحنا تحت تقلبات الحياة أقل حدة. إنها تنمي حس النّسب لدينا وتكشف لنا أن العبث يجول دائما خلف صرامة مبالغ فيها”.

لذلك نجدها، تطفو أحيانا في بعض اللحظات المزعجة، وتستدعي ممن يعيشها أن يحس فيها بالحيرة والتردد والارتياب، بل بالخوف والتوجس أيضا، تبعا لما يفرضه الوضع والموقف في حالة ما، لكنها في لحظة معينة، تتبدد بسلاح الفكاهة والضحك وحدهما، وتغدو كأنها محض خيال لم تكن قط في الواقع.


تشارلي شابلن في المحكمة


يطلعنا تشارلي شابلن في سيرته الذاتية، على مشاهد خاصة، منها تصويره للحظة في قاعة المحكمة، الغاصة بالجمهور ووسائل الإعلام المختلفة التي تتبعت أطوارها في أعقاب محاكمته، حيث كان شابلن محط أنظار الجميع. وفي ظل هذا الجو يتخذ الشيء طابع المضحك، متجسدا في نظارته، التي كــــان أحد المصوريــن يترقب ويتحين اللحظة المناسبــــة ليأخذ صورة لشابلـــن في اللحظة التي يضعها، لكن سرعــــان ما فطن شابلن لتربصه، وبذلك لعبا معا لعبة كانت النظارة إلى جانب حركات شابلن الرشيقة، بطلي الموقف فيها دون منازع، والجمهور منتبه يستمتــــع. إليك الآن، وصف يسترجع فيه شابلن، ساعة بلغ فيها همه ذروته، بسبب التوتر والقلق اللذين تسببهما المحكمة في لحظة كريهة أمام أحداث أعطته انطباعا ما بأنه على عمود التشهير:

“وأذكر أن المحكمة كانت قد اختلت ذات يوم لمناقشة نقطة قانونية. كانت هيئة المحلفين قد خرجت، وكان المحامون والقاضي قد انتقلوا إلى قاعة صغيرة مجاورة، في حين بقينا في المحكمة، أنا وأحد المصورين والجمهور، كان المصور ينتظر ليفاجئني في وضع غير مألوف، وفي اللحظة التي وضعت فيها نظارتي لأقرأ، أمسك بجهازه بسرعة فخلعت نظارتي بالسرعة نفسها، فأضحك ذلك من ظلوا في القاعة، وحين أراح جهاز التصوير وضعت نظّارتيّ من جديد، كنا نلعب حقا لعبة الهرّ والفأر، فيمسك هو بجهازه وأخلع أنا نظارتيّ، وكان الجمهور في قمة سروره. لكن حين عادت المحكمة، نزعتها، واتخذت من جديد وضعا رصينا”.


شابلن وبرنارد شو


وقد يتحول شابلن ذاته إلى موضوع للضحك من دون سبب حقيقي ظاهر، لكن الشهرة، ربما، لها سلطتها وتلعب دورها في هذا السياق، لاسيما حين يجتمع فنانان عظيمان لهما حظهما في الفن والكوميديا الساخرة، ومن ذلك لحظة اجتمع فيها المسرحي الأيرلندي الكبير جورج برنارد شو، الذي جلس شابلن بمقربة منه في حفلة عرض أقيمت لأحد أفلامه، وقد كان اللقاء بين الاثنين كافيا لإثارة الضحك من فرط دهشة الجمهور الناجمة عن هذا اللقاء الغريب في ألفته، الذي يأتي الضحك في عمقه كرسالة خفية تحمل تحية إعجاب وتقدير لهما، سرعان ما استجاب لها الاثنان بفرح وتلقياها بشكل إيجابي، ومن ثَمَّ انبعث الضحك منهما بأريحية الكبار وطلاقتهم المعهودة، كطريقة لتبادل حرارة الود مع الجمهور، وإبداء التفاعل المقابل بالشكر والترحيب.

أسس لفلسفة راقية في الإضحاك، ونقل مشاعر الناس بعد الحروب والويلات التي مرت على العالم في حربين عالميتين كبيرتين، دون أن يفقد مكانته بسببهما

وعن هذا اللقاء يقول شابلن: “في حفلة العرض الأولى لفيلم أضواء المدينة، كان المطر يهطل بغـــزارة، لكن كانت هنالك حشود، وجرى استقبال الفيلــــم استقبالا جيدا جدا، جلست على الشرفة قرب برنـــارد شو، الأمر الذي أثار الضحك والتصفيـــق. وقد جعلونا نضحك نحن الاثنين ونقوم بالتحية، وهو الأمر الذي تسبب في مزيد من الضحك”.

توفي شابلن في العام 1977، وسيتم تحويل منزله في سويسرا إلى متحف في العام 2015، ذلك المنزل الذي عاش فيه خلال ربع القرن الأخير من حياته بعدما اتهم في الخمسينيات، من قبل الولايات المتحدة، بالتعاطف مع الشيوعيين.

تقول حفيدته لورا شابلن: “في أواخر أيامه كان خائفاً من نسيان الجمهور له لأنه اجتهد كثيرا ورسالته الفنية كانت في غاية الأهمية”، رحل شابلن منزوياً، ولكنه كان قد أسّس لفلسفة راقية في الإضحاك، ونقل مشاعر الناس بعد الحروب والويلات التي مرّت على العالم في حربين عالميتين كبيرتين، دون أن يفقد مكانته بسببهما، ليبقى تشارلي شابلن الأسطورة الكوميدية التي لم يتمكن أحدٌ من منازعتها موقع الصدارة، رغم ظهور مضحكين آخرين عمالقة في زمن شابلن وبعده، إلا أن مدرسة شابلن في الإضحاك وحضوره الطاغي والكاريزما التي يتمتع بها، شكّلت بصمة عالمية لا تتكرر.

15