تشاك هيغل الجمهوري الأخير في عصر أوباما ورايس

السبت 2014/11/29
هيغل المستقيل كبش الانقسام في واشنطن

انقسام إدارة أوباما، وصل إلى حدود انفضاض مجلس الحكم الأعلى، والدائرة الضيّقة، بسبب الاختلاف في وجهات النظر حول معالجة الملف السوري، وقضايا النفوذ الأميركي في العالم، والموقف من سجن غوانتانامو والمباحثات مع طهران حول الملف النووي الإيراني، باستقالة وزير الدفاع تشاك هيغل، يتضح مدى الشرخ الذي أحدثه وجود رئيس يحمل فكراً مختلفاً عن استراتيجية الحكم الأميركية تاريخياً، وقد سبقت استقالة هيغل، أخبار متكررة على مدى شهور تحدثت عن خلاف عميق مع الرئيس أوباما وفريقه، وبالأخص مع رئيسة مكتب الأمن القومي سوزان رايس.


وزير منزوع الصلاحيات


جمهوري، اتخذ موقفا من إدارة بوش في قرار غزو العراق، وقف ضدّ الحرب في العام 2003، واعتبر أنها ستكون فيتنام جديدة، تعرف على أوباما في الكونغرس، حين كان هيغل يشغل منصب سنياتور عن ولاية نبراسكا، بينما كان باراك أوباما يمثل ولاية إيلينوي، فحافظ الاثنان على زاوية نظر واحدة نحو القضايا العسكرية وانتشار الجنود الأميركيين في العالم، وحين جاء أوباما إلى البيت الأبيض، انتظر حتى تبدأ ولايته الثانية، ويبدأ العام 2013 ليقدّمه إلى الكونغرس لتولي حقيبة الدفاع، وسط معارضة شديدة من الديمقراطيين، أنصار أوباما وناخبيه، ولم يتردّد الجمهوريون بدورهم في الاعتراض على تعيين جمهوري مثلهم في هذا المنصب الحساس، بسبب مواقفه المغايرة للإجماع الذي ساد أوساطهم في مرحلة بوش الابن، وكان على رأس المعترضين السيناتور الأميركي جون ماكين.

ولكن هيغل أصبح وزيراً للدفاع، ولم تنته محاولات شلّه عن العمل، فتسرّب أن الوزير معزول ومنزوع الصلاحيات وبلا أي قدرة على اتخاذ قرارات هامة، سيما وأن اللوبي الصهيوني في أميركا، كان هو المعترض الخفي على وجود هيغل في منصب وزير الدفاع، حتى وصفته الصحافة بأنه “عدو إسرائيل اللدود”.

قال هيغل إن: "جماعة الضغط اليهودية تخيف الكثير من الناس، وأنا سيناتور أميركي لا إسرائيلي"، ورفض اعتبار منظمة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، أو فرض المزيد من العقوبات على إيران


البرهنة على الفشل


سعى أوباما خلال سنوات حكمه إلى البرهنة على فشل جميع سياسات أسلافه، جمهوريين وديمقراطيين، في مقاربة القضايا المختلفة التي واجهت الولايات المتحدة، سواء في الداخل أو الخارج، وما يتعلق منها بالأمن القومي والدفاع، فاعتبر أن انتصار أميركا ليس بالضرورة يتم بإرسال الجيوش، ولكن باستنزاف العدو، واعتبر أن الحفاظ على حياة الجندي الأميركي أهم من توسّع النفوذ الأميركي، مقدّماً السياسة على القوة.

وكان إتيان أوباما بوزير دفاع جمهوري، رسالة عميقة الدلالة، عبّرت عنها صحيفة “نيويورك تايمز” بالقول: “إن تعيين هيغل كان من أجل العمل على تورّط القوات الأميركية في حروب أخرى في الشرق الأوسط وليس العكس”، ولكن أوباما بضغطه المستمر وإصراره على عدم التدخل في سوريا، برهن من جديد على أنه حتى وزير حرب جمهوري، لن يتمكن من ثنيه عن فلسفة “لا للحروب” التي ينتهجها.


القلب الأرجواني


كان هذا هو اسم الوسام الذي حصل عليه تشاك هيغل عن دوره في حرب فيتنام، بعد أن أصيب بحروق شديدة إثر انفجار لغم في العربة العسكرية التي كانت تقلّه، حينها قال هيغل: “إذا تمكنت من الخروج سالماً من فيتنام، فسأبذل كل جهدي من أجل منع الحروب”، هيغل الذي بقي يحمل شظايا معدنية من الحرب في صدره حتى اليوم، انتقل من الحياة العسكرية إلى الإعلام، ليعمل مذيعاً، ثم توجّه إلى الحياة السياسية ليترشح عن ولاية نبراسكا، ولد هيغل في العام 1946 في نورث بلات، من أسرة ألمانية، وحصل على شهادة التخصص في الإذاعة والتلفزيون في العام 1966، وبعد عودته من فيتنام عاد إلى صفوف الدراسة ليتخصص في التاريخ.


عدو إسرائيل وضحية النساء


من كلمة “الشك” الذي ردّدها، تسبب تشاك هيغل لنفسه بغضب الأقوياء في واشنطن، بعد أن شكّك في وطنية الجماعة اليهودية الأميركية، واتهمها “بازدواجية الولاء” وصرخ غاضباً مرة بالقول إن: “جماعة الضغط اليهودية تخيف الكثير من الناس، وأنا سيناتور أميركي لا إسرائيلي”، وكان قد رفض التوقيع على وثيقة تأييد إسرائيل في مجلس الشيوخ، وحمّل تل أبيب المسؤولية عن الحرب على لبنان بالاشتراك مع حزب الله، ورفض اعتبار منظمة الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، أو فرض المزيد من العقوبات على إيران، عبّر هيغل عن مواقفه تلك في كتابه الذي سمّاه “أميركا ـ الفصل التالي” الذي صدر في العام 2008، وطالب فيه باستقلال القرار الأميركي عن الجهات التي تتحكم فيه داخل الولايات المتحدة.

عبر هيغل عن مواقف مغايرة للتيار الأميركي القوي في كتابه الذي سماه «أميركا ـ الفصل التالي» الذي صدر في العام 2008، وطالب فيه باستقلال القرار الأميركي عن الجهات التي تتحكم فيه داخل الولايات المتحدة

علاوة على حصده للخصوم، يتردّد أن ثلاث نساء قمن بالإطاحة بتشاك هيغل، وهن النساء اللواتي يحطن بالرئيس أوباما، بالطبع رايس على رأس القائمة الثلاثية، تليها فاليري غاريت مستشارة الرئيس الخاصة، وليسا موناكو مستشارته للأمن الداخلي، الفريق الثلاثي ذاته الذي يتهمّ بالتسبّب في فشل الأداء الأميركي في مفاوضات فيينا بخصوص الاتفاق النهائي مع إيران، ولكن آخرون اعتبروا أن هيغل فشل في أداء مهمته.


شريك كيري السابق


يعتقد كثيرون أن المستقيل القادم من إدارة أوباما سيكون الوزير جون كيري، الذي يشارك تشاك هيغل في كثير من الأفكار والمواقف، فلا ينسى الأميركيون والعالم، أن كيري وهيغل هما من قاما بنشر مقال في “وول ستريت جورنال” في العام 2009 تحت عنوان: “حان الوقت لمحادثة سوريا”، وكانت تلك دعوة صريحة ومباشرة لإعادة نظام بشار الأسد إلى الحظيرة الدولية، بعد اغتياله لرئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في العام 2005، كما طالب الرجلان وقتها ببدء مباحثات مع حركة حماس الفلسطينية، وفتحا الباب لتغيير السياسة الأميركية تجاه قضايا الشرق الأوسط، بعد مرحلة جورج بوش الابن، ولكن الظروف تغيّرت، واختلف هيغل مع إدارة رئيسه، ومن بينها الوزير كيري ذاته، ومدير مكتب الرئيس دينيس ماكودونوغ، وأعلن احتجاجه على عدم إطلاعه على ما يدور بشأن الملفات الأمنية في أروقة الحكم الأميركية.

ووصلت الأمور بهيغل إلى توجيه مذكرة رسمية إلى سوزان رايس، في أكتوبر من العام الحالي 2014، انتقد فيها “سياسة الإدارة في سوريا التي فشلت في ترابط الحملة التكتيكية ضد داعش مع الهدف الاستراتيجي الأشمل حول ما ينبغي عمله حيال الأسد”، بعد أن احتكرت رايس كما يقول الإعلام الأميركي القرار في البيت الأبيض، بحيث صارت تترأس غرفة العمليات في البيت الأبيض، مما دفع صحيفة “نيويورك تايمز” إلى القول إن: “إقالة هيغل تؤشر على الانتصار النهائي لتوجّهات البيت الأبيض شديدة المركزية فيما يتعلق بالأمن القومي، كما هي دلالة حاسمة بنفي أوباما ظاهرة تجذر الخلافات”.


خليفة وزير الدفاع


بعد اعتذار فلورنوي، عن تولي منصب وزير الدفاع خلفاً لهيغل، ورغبتها في البقاء بمنصبها كرئيس تنفيذي لمركز الأمن الأميركي الجديد المتخصص في أبحاث الأمن والاستراتيجيات، تقلّصت الخيارات أمام الرئيس أوباما في العثور على بديل لهيغل، الذي تجنب النظر في عيني رئيسه في حفل وداعه، مختتما كلمته الوداعية بالقول: “السياسة الأمنية الأميركية تنبني على العمل الجماعي من أجل خدمة أفضل للأمن القومي”، ليأتي اعتذار السيناتور الديمقراطي جاك ريد عن ولاية رود إيلاند، عن تولي حقيبة الدفاع، ليبرز اسم آشتون كارتر النائب السابق لوزير الدفاع، وذكرت صحيفة “بولتيكو” أن البيت الأبيض: “يبحث عن شخص يمارس دور المشجع لسياسات أوباما فقط”.

هيغل جمهوري، اتخذ موقفاً حاداً من إدارة بوش في قرار غزو العراق، وقف ضد الحرب في العام 2003، واعتبر أنها ستكون فيتنام جديدة، عينه أوباما وزيرا للدفاع وسط معارضة شديدة من الديمقراطيين، ولم يتردد الجمهوريون بدورهم في الاعتراض على تعيين جمهوري مثلهم في هذا المنصب الحساس

من هو الذي سيوافق عليه الكونغرس الذي انحسر فيه الديمقراطيون اليوم؟ ومن هو الذي يقبل أن يكون واجهة لتنفيذ أفكار أوباما ورايس؟ الاحتمال المرجّح هو آشتون كارتر الذي يحظى باحترام كبير وسمعة جيدة في مهاراته الإدارية وأفكاره العسكرية لكنه شخص صدامي ولا يملك الكثير من الشعبية داخل صفوف العاملين في البنتاغون، يضاف إلى قائمة المرشحين وزيرة سلاح الجو ديبورا لي جيمس، ووزير الجيش جون ماكهيو، ووزير سلاح البحرية راي مايوس، ونائب وزير الدفاع روبرت وارك، إضافة إلى السيناتور جوزيف ليبرمان ودينيس ماكدونو رئيس موظفي البيت الأبيض، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي، وجي جونسون وزير الأمن الداخلي.


ماذا أراد هيغل


تمسّك هيغل بقناعته أن على الولايات المتحدة أن تحسم الوضع في سوريا، بالتوازي مع الحرب على داعش، بينما كان أوباما، مصراً على “ضرورة إيجاد مقاربة للتعامل مع نظام الأسد”، وكان هيغل قد قال قبيل استقالته بأسابيع: “إن الحرب التي يقودها أوباما وتحالفه ربما تقدم هدية على طبق من ذهب للرئيس السوري بشار الأسد”.

وكان هيغل يعكس رأي كبار الضباط في وزارته الذين يرون أنه من الضروري الرد على داعش في سوريا واعتبار نشاطاته في ذلك البلد مشابهة لنشاطاته في العراق، وذكر المحلل العسكري ريك فرانكونا، لقناة “سي أن أن”: “رأينا خلال الأشهر الماضية أن فجوة قد ظهرت بين هيغل وبين قائد الأركان، الجنرال مارتن ديمبسي، الذي كان قد أصبح فعليا هو الشخص الذي يدير الوزارة، وكانت قضية مغادرة هيغل لمنصبه مسألة وقت يضطر بعده إلى الاستقالة أو يتعرض للإقالة”.

لا شك أن هيغل كان ضحية كل تلك التناقضات الأميركية – الأميركية، ولعله كان ضحية تناقضاته هو في مواقفه المختلفة تجاه الحرب والسلام، فمن يمدّ اليد للأسد في العام 2009 من الصعب تخيّل إصراره على إزاحته عن السلطة في العام 2014، ومن يقترح الحوار مع الحرس الثوري الإيراني، ويرفض نعته بالإرهاب سيكون من المستحيل عليه أن يكون رأس حربة في شطرنج الشرق الأوسط اليوم.

13