تشانغ شياويوان فنان شوارع صيني يرسم باستخدام الننشاكو

الصيني تشانغ شياويوان يشكّل من آلة قتالية يابانية لوحات جدارية خادعة للبصر.
الاثنين 2020/11/16
ستريت آرت بطريقة مبتكرة وغير مسبوقة

هوس كل فنان أن يبدع على غير مثال، فالغاية دائما هي البحث عن التفرّد. وهذا ما سعى إليه الفنان الصيني تشانغ شياويوان، فنان الستريت آرت الذي يستخدم آلة قتالية هي الننشاكو كفرشة.

برز الصيني تشانغ شياويوان في بدايته على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال مقاطع فيديو خاصة به يبدو فيها وهو يرسم مباشرة وبشكل سريع لوحات جدارية تخدع البصر، ولكنه لا يستعمل الفرشاة أو البخاخة كسائر فناني الستريت آرت، وإنما آلة الننشاكو اليابانية التي يستخدمها مصارعو الفنون الحربية. وكان اختياره مبنيا على قناعة مفادها أن في تلك الفنون القتالية، ولو أنها تعرف بفنون الدفاع عن النفس، فنّا لا تخطئه عين ملاحظ حسّاس مثله.

نشأ تشانغ شياويوان في غويانغ، عاصمة مقاطعة غويتشو في الجنوب الغربي للصين، ولم يكن موفقا في دراسته، رغم تفوقّه في الرسم وتشجيع معلميه إياه. ولما كان من أسرة فقيرة لا تملك أسباب توجيهه إلى مدارس الفنون الجميلة، فقد انقطع عن التعليم في وقت مبكر، ودخل معترك الحياة شابا.

كانت قدراته الفنية هي كل ما يملك، فأراد استثمارها كي يكسب قوته، فبدأ يتابع فناني الشارع الذين كان يراهم يرسمون على الأرصفة والجدران، فصار يقلّدهم خفية، ويحاول في الوقت ذاته أن يبتكر لنفسه خطّا متفرّدا يختلف عنهم.

عام 2009، غادر مسقط رأسه ليستقر في مدينة شنجن، وبدأ يرسم على طريقة فناني الستريت آرت، تحت الجسور، وفوق السطوح، وعلى جدران المباني المهجورة، وكان يسجل لوحاته وهي بصدد الإنجاز، ثم يخرجها بطريقة فنية تختصر المدة الزمنية، ويتولى نشرها على منصّة التيك توك الصينية الشهيرة، التي تزاحم اليوتيوب.

بدأ بالرسم على تلك المواقع إذن، ولكن بدل أن يقلد رسوم الغرافيتي كما هو شائع في مدن كثيرة، الغربية منها على وجه الخصوص، وكان يتابعها على الإنترنت والمواقع الاجتماعية، اختار أن يرسم لوحات جدارية مندمجة في الواقع مستعملا الطلاء بيده أو بفرشاة ضخمة أشبه بمكنسة، كلوحته باللونين الأسود والأبيض التي تبرز يدا عملاقة تمسك بشجرة، وكأنها قلم ستستعمله للكتابة.

وقد أبدع لوحات شديدة الواقعية تبدو وكأنها مشاهد عادية لأنها مندمجة في المشهد العام. ثم انتقل إلى استخدام أداة جديدة لم يسبقه إليها أحد، لأنها لا تدخل ضمن الأدوات الفنية المستعملة، ونعني بها الننشاكو، ذلك السلاح القتالي الياباني ذا الفرعين، الذي روّج له بروس لي في أفلامه.

بفضل الننشاكو هذا، رسم تشانغ شياويوان صورة بروس لي، نجم فنون الدفاع عن النفس وممثل أفلام الكونغ فو الشهير، وكذلك الممثل دوني ين، الذي عرفناه في فيلم “أيبمان”، وكلاهما تميّز في أفلامه بالمصارعة على الطريقة اليابانية واستعمال تلك الآلة.

آلة قتالية لم يتوقّع حتى صانعها أن تؤدّي دور فرشاة، وهو ما يحسب للفنان الصيني الذي يرسم من خلالها بشكل مباشر وسريع
آلة قتالية لم يتوقّع حتى صانعها أن تؤدّي دور فرشاة، وهو ما يحسب للفنان الصيني الذي يرسم من خلالها بشكل مباشر وسريع

وما لبثت الفيديوهات التي ينشرها أن حازت إعجاب الكثيرين، وحقّق بفضلها شهرة بدأت محلية، ثم صارت عالمية، إذ صارت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدّث عن هذا الفتى الذي يرسم على الجدران بسرعة مذهلة باستخدام آلة حربية. حتى أن شركات السينما والتلفزيون قدّمت له عروضا مغرية، ولكنه برغم تواضع دخله، رفضها لاقتناعه بأن ذلك قد يقيّد حريته، ويمنعه من ممارسة فنه كما يهوى.

كالعادة، حاول نقاد الفن في الغرب ربط تجربة هذا الفنان الصيني الشاب بتجارب غربية سابقة، فمرة يقولون إنها تشبه تجربة الفنانة نكي دي سان فال التي كانت تستعمل بندقية لرش الألوان على لوحاتها، ومرة يدعون أنها تذكر بتجربة هانز هارتونغ وتقطيره الألوان على الأرض، كامتداد للتجارب الفنية الخارجة عن المألوف. ولكن تجربة تشانغ شياويوان تظل فريدة لأنه ليس من السهل أن يرسم فنان بآلة لا علاقة لها بفنون الرسم، دون محامل غير سلم يعتليه وألوان يضمّخ بها تلك الآلة، علاوة على كونه ينجز ذلك في الهواء الطلق وبسرعة عجيبة.

تشانغ شياويوان نفسه يعترف بأن الرسم بالننشاكو صعب، خاصة على مستوى الألوان أو السطح أو القماشة وكلاهما يبدو أحيانا غير متساوٍ من جهة استوائه أو نتوء تضاريسه. مثلما يعترف بأنه، قبل خوض هذه التجربة، كان قد قضى مدّة لا يستهان بها في متابعة محترفي فنون الدفاع عن النفس، واستطاع في نهاية المطاف أن يطوّع تلك الآلة لمشيئته، ولو أنه لا يزال في بداية التجربة.

ويقول شياويوان “قد تثير سرعة التنفيذ الإعجاب، ولكنها بالنسبة إليّ عادية. أما الننشاكو، فاستعماله لِما أعِدَّ له أمر صعب، فما البال إذا ما استخدم للرسم، ولكني استطعت السيطرة عليه، رغم أني لم أرسم به حتى الآن غير لوحتين، لأني لا بد أن أزداد تمرّسا بتطبيقه على النسيج والألوان حتى يكون العمل متكاملا”.

وما زالت وسائل الإعلام الغربية تتحدّث عن هذا الفنان الصيني الشاب، الذي يرسم صورا بالأسود والأبيض في الغالب، وما زالت المواقع تنشر له مقاطع فيديو على الإنترنت، وتشيد بقدرته العجيبة، مثلما تعبّر عن اندهاشها من استخدامه الننشاكو، أما هواة الفن، فيتمنون أن يروه رؤية العين في قادم الأيام، ليتابعوا مباشرة أداءه الفني بتلك الآلة التي لم يتوقّع حتى صانعها أن تؤدّي دور فرشاة.

يد عملاقة تمسك بشجرة وكأنها قلم تستعمله للكتابة
يد عملاقة تمسك بشجرة وكأنها قلم تستعمله للكتابة

 

16