تشتت الأوقاف الدينية في العراق: الباب المفتوح على هياج الطائفة

الأربعاء 2015/02/04
الأوقاف الدينية في العراق تعبير يؤكد آثام الإسلام السياسي القادم على صهوة الاحتلال

تبدو دعوة جهات برلمانية عراقية إلى إنهاء ظاهرة تعدد الأوقاف في العراق وإنشاء وزارة جامعة تتجاوز العقلية الطائفية، للوهلة الأولى دعوة إجرائية ذات بعد تنظيمي، لكن التمهل في قراءة الدعوة ووصلها بما يمثله إشكال تعدد الأوقاف، يشيان بأن الأمر أعمق من ظاهره الإجرائي، بل يمتد إلى عمق شرايين الحالة السياسية العراقية بما اعتراها من تمدد الإسلام السياسي وانتعاش مشتقاته الطائفية.

لم يكن هناك تصور لدى الأميركان أو الأحزاب الدينية في العراق عن إلغاء وزارة الأوقاف، صحيح أنها بيد شخصية سُنية طوال عمر الدولة العراقية، لكن بعد التغير الذي حصل عن طريق الغزو الأميركي، كان بالإمكان أن يكون فقيه شيعي وزيراً للأوقاف، وتبقى الأوقاف موحدة، مع عزل المهام مثلما كان في السابق، وقد وافق علماء السنة على ذلك، بل جاء بمقترح منهم، لكن النزاع جرى بين شخصيتين شيعيتين هما حسين الشامي وجلال الدين الصغير، الأول من حزب الدعوة والثاني من المجلس الأعلى، وبذلك صار الاتفاق على عزل الوقفين، وصار الشامي في البداية رئيساً للوقف الشيعي.

الدعوة لإنشاء وزارة موحدة للأوقاف في العراق وإنهاء ظاهرة تعدّد الأوقاف وضمها تحت وزارة جامعة لتجاوز العقلية الطائفية التي أدت إلى تفرع تلك الهيئات إلى سنية وشيعية، صدرت من جهات برلمانية عديدة. صحيح أن الدعوة مازالت هامسة بالنظر إلى أنها لم تتحول بعد إلى مطالب سياسية تحظى بالإجماع، لكن مجرد إثارتها يعكس الوضع المخصوص الذي يعيشه العراق.

لتبيّن معنى هذه المطالبة وأصولها ومدى وجاهتها، يجدر التذكير بأن حلّ وزارة الأوقاف العراقية عام 2003 إبّان الغزو الأميركي للعراق، أنتج “مؤسسات” بديلة على مقاس وهوى الحكام الجدد تمثلت في الوقفين السنّي والشيعي، وهذا يعني أولا أن مفرزات الاحتلال لم تقتصر فقط على الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، بل طالت أيضا المؤسسات والهياكل الدينية.كان إنشاء ديوان الوقف الشيعي بهدف تسيير الأوقاف الشيعية وللإشراف على دور العبادات والحسينيات والمزارات الشيعية في عموم العراق، ولتبين أهميته لدى الداعين إليه يكفي أن نشير إلى أن رئيس الوقف (الشيعي والسني) هو برتبة وزير ويعين مباشرة من قبل رئيس الوزراء. وبحسب ما ورد في موقع ديوان الوقف السني الرسمي أنه تأسس “نظراً لإلغاء وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وتوزيع مهامها على دواوين الأوقاف والطوائف المختصة، وشرع قانون تأسيس ديوان الأوقاف والشؤون الإسلامية من أجل تنظيم الأوقاف الإسلامية وشؤونها وتم تحديد مهامه وتقسيماته وتشكيلاته بناء على ما أقره مجلس النواب وصادق عليه مجلس الرئاسة. واستناداً إلى قرار مجلس الحكم رقم (68) المؤرخ في 22/10/2003، صدر القانون الذي ينص على تأسيس ديوان يعنى بأوقاف أهل السنة يسمى ديوان الوقف السني يرتبط بمجلس الوزراء ويتمتع بالشخصية المعنوية ويمثله رئيسه أو من يخوله”.

الأحزاب الدينية طائفية بالضرورة، تبعا لتماهي مفردات الإسلام السياسي مع قواميس الطائفية

نقاط تشابه عديدة تجمع الوقفين، الأولى إنهما ظهرا معا على خلفية الاحتلال الأميركي وبعد إلغاء وزارة الأوقاف، أما نقطة التشابه المركزية فهي أنهما يقومان معا على إصرار شيعي وسني متبادل على إنشائهما. إصرار لا ينبع من جهات دينية كما يفترضُ، بل ينبع أساسا من الأحزاب الإسلامية الطائفية التي برزت كنتوء بعد الاحتلال. يحيلنا هذا، بالتالي، إلى أن الأحزاب الإسلامية (بمختلف مذاهبها) كانت تحتاج مؤسسات دينية لرفدها ودعمها وإسباغ بعض الشرعية على وجودها، ولن تجد أفضل من مؤسسات دينية تنهض على بعد طائفي للقيام بهذه المهمة.

ماذا تعني المطالبة بإنشاء وزارة جامعة للإشراف على المؤسسات الدينية في العراق؟ ولماذا ظلت بهذا الخفوت؟ الإجابة على الاستفسار الأول تنسحب على السؤال الثاني. فإنشاء وزارة للأوقاف تعلو على الانتماءات المذهبية وتشرف على المؤسسات والمنشآت الدينية بمختلف انتماءاتها، يسحب البساط أولا من تحت الأحزاب الدينية ويقطع أروقة “الاعتماد المتبادل” بين الحزب والوقف، ويعلنُ بدء فجر الوطن والقانون بدل عصر الإسلام السياسي والطائفة، وهو ما ترفضه النخبة السياسية المهيمنة، وتبعا لذلك الأوقاف ذاتها. أما خفوت أصوات المطالبة فهو مشتق من علوّ أصوات الرفض للفكرة المشار إليها.

تفيد الإشارة إلى الواقع الذي أفرزه وجود هذه الأوقاف، من ذلك أن الصراع على الاستحواذ على “المجال الديني” يزداد احتداما، (بنفس حدة التصارع على السيطرة على المجال العام والذي تميل فيه الكفة إلى الطرف الشيعي)، فقد صار الوقفان يتصارعان على الاستحواذ على المساجد. وبما أن الحاكم شيعي فقد تحولت عشرات المساجد السنية إلى حسينيات شيعية بعد أن تم “تأميمها” والاستحواذ عليها. لذلك اعتبرت أصوات من داخل لجنة الأوقاف والشؤون الدينية النيابية أن وجود الوقفين الشيعي والسني يخدم “العقلية الطائفية ويزيد التطرف” إضافة إلى أن وجود الوقفين باب للفساد وهدر لأموال المواطنين.

حل وزارة الأوقاف العراقية عام 2003 إبان الغزو الأميركي، أنتج "مؤسسات" بديلة على مقاس وهوى الحكام الجدد

في هذا الصدد نُقل عن النائب سليم شوشكي قوله إنّ العراق مقسّم إلى وقفين، شيعي وسني، خارجيْن عن سيطرة الحكومة، مؤكدا أن وجود الوقفين والأوقاف الأخرى أدى إلى هدر الأموال وفُتح باب للفساد لأن مجلس النواب لا يستطيع متابعة الأوقاف ومحاسبتها، وشدد الشوبكي على ضرورة تشكيل وزارة واحدة تضم كل الأوقاف الدينية.

بديهي القول أن الأحزاب الدينية طائفية بالضرورة، تبعا لتماهي مفردات الإسلام السياسي مع قواميس الطائفية، ولأن هذا الوجع من ذاك الداء، ولذلك فإن الأحزاب الإسلامية (شيعية وسنية) تكتسب علة وجودها من الواقع الطائفي، ولعل إنشاء وزارة أوقاف عراقية يعني بدء استرجاع الوطن الموحّد. صحيح أن الفكرة تبدو عسيرة التحقق، لكن المطالبة بها كشفت الواقع السائد في العراق، لأن وزارة الأوقاف تعني أن تشرف “مؤسسة” وطنية (بما تمثله هذه الكلمة من قاموس حداثي) واحدة على كل المؤسسات الدينية دون استثناء، ليحترم الوطن تبعا لذلك اعتقادات مواطنيه ولا يتدخل فيها ولا يعاقب معتنقيها.

نخلص إلى أن الواقع العراقي ما بعد الاحتلال، والذي تعاقبت على صنعه أدوات الاحتلال والأحزاب الإسلامية الموجهة إيرانيا، ومفرزاته الطائفية، يرفض كل محاولات تغييره تبعا لتوسع دائرة المستفيدين من تعفن تفاصيله وأركانه.

الانتماء المواطني نقيض المذهب والطائفة، والأحزاب المدنية بديل للأحزاب الإسلامية، وإنشاء وزارة الأوقاف بمؤسسات عصرية يعني سحب البساط من تحت توظيف الدين وسعار الطائفة وهياج المذهب.

13