تشتت القوى الشيعية في العراق قبل الانتخابات يربك حسابات إيران

رمت إيران بكل ثقلها خلف حليفها التقليدي في العراق لتعويض الانشقاق المدوي الذي قاده زعيم المجلس الأعلى السابق عمار الحكيم وترك علامات استفهام بشأن علاقة رموز الإسلام السياسي الشيعي في بغداد بطهران، وسط تأكيد المراقبين على أنها خطوة باتجاه حماية نفوذها قبل موعد الانتخابات البرلمانية والمحلية العراقية في أبريل المقبل.
الثلاثاء 2017/09/05
تغيير قواعد اللعبة

بغداد - أكدت مصادر سياسية مطلعة في بغداد لـ”العرب” أن إيران تهدف من وراء تحركها في بغداد للحد من تداعيات انشقاق عمار الحكيم عن المجلس الأعلى في العراق.

وسعى رئيس مصلحة النظام الإيراني محمود هاشمي الشاهرودي خلال لقاء جمعه بالحكيم في بغداد الأحد، إلى رفع شعار وحدة الصف الشيعي العراقي، بعد تصدع العلاقات داخله في الفترة الأخيرة.

ومن الواضح أن الحكيم، الذي قاد المجلس، أحد أكبر التشكيلات السياسية الشيعية المشكلة للتحالف الوطني الحاكم في العراق، تسبب في إرباك قيادة النظام الإيراني التي تحاول بكل الطرق للمحافظة على نفوذها السياسي داخل بغداد.

ويقول مراقبون إن طهران تريد قطع الطريق على الحكيم للاستئثار بإرث المجلس الأعلى على المستوى الشعبي الذي لا يملك غيره شعارا في الانتخابات العراقية المقررة العام القادم.

وكان الحكيم قد انشق عن المجلس تاركا زعامته في فراغ مفاجئ، ليتجه نحو تشكيل “تيار الحكمة الوطني” الذي طغت عليه الوجوه الشابة.

وسبق لقيادات دينية في المجلس أن تقدمت بشكوى إلى طهران ضد الحكيم بسبب “اختلافات وتباينات في وجهات النظر معه”.

ومن أبرز الخلافات أن هذه القيادات التي تؤمن بولاية الفقيه والارتباط العقائدي بإيران، تطالب الحكيم بدور أكبر في صناعة القرار داخل المجلس وترفض صعود قيادات شابة لم تكن موجودة في إيران قبل عام 2003.

واعتبر الكثير من المحللين أن مغادرة الحكيم لموقع الزعيم في المجلس الأعلى وإعلان تشكيل سياسي جديد هما بمثابة الخروج من عباءة النفوذ الإيراني في العراق.

وأراد الحكيم بانشقاقه عن المجلس اللعب على أوتار النقمة المتعاظمة بين صفوف العراقيين وخاصة الجيل الشاب، على الطبقة السياسية التي حكمت العراق بعد الغزو الأميركي وانتهت تجربتها بتدهور حاد في مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

وفور إعلان المجلس الأعلى عن انتخاب هيئة قيادية لخلافة الحكيم أرسلت طهران سفيرها في بغداد إيرج مسجدي، إلى مقر المجلس لإعلان دعمها له.

طهران تريد قطع الطريق على الحكيم للاستئثار بإرث المجلس الذي لا يملك غيره شعارا في الانتخابات العراقية المرتقبة

وقال مسجدي خلال زيارته الأسبوع الماضي، إن “المجلس الأعلى الإسلامي محط الرجال الكبار وعظماء المجاهدين وهو عصارة الفقاهة والفضيلة”، مؤكدا أن بلاده ستواصل تعاونها مع المجلس.

وفسّر مراقبون ما أشار إليه السفير الإيراني حول فقاهة الحكيم، الذي لم يكن موضع رضى من قبل الزعامات الدينية في المجلس على غرار همام حمودي وجلال الدين الصغير، لحداثة تجربته في علوم الدين.

وتريد القيادات المعممة في المجلس أن يكون زعيمها فقيها مفتيا، وهو أصل الخلاف، وفق المراقبين مع الحكيم، الذي حل محله همام حمودي.

ويعتقد مسجدي أن انتخاب حمودي “قرار صائب أفرح قلوب المجاهدين، لما عُرف عنه من تأثير وحكمة وإخلاص وتفان في العمل ولكونه كان رفيق درب شهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم، مؤسس المجلس الأعلى في إيران خلال ثمانينات القرن الماضي”.

وتدرك إيران أن الحكيم، ربما أصبح خارج مساحة نفوذها السياسي في العراق، لكنها لا يمكن أن تسمح له بإفراغ المجلس الأعلى من مضمونه لصالح تعزيز نفوذ تيار الحكمة الجديد في الانتخابات القادمة”، وفقا لسياسي عراقي تحدث مع “العرب”.

ولذلك، اندفعت طهران نحو استعراض علاقتها الوثيقة بالمجلس وبعد أيام من الزيارة التي قام بها مسجدي، استقبل زعيم المجلس الأعلى الجديد في العراق الشاهرودي، الذي يعد أحد أبرز المرجعيات الدينية في إيران.

ويتوقع خبراء في الشؤون الإيرانية أن يكون الشاهرودي، أحد المرشحين المهمين لخلافة علي خامنئي، المرشد الديني الأعلى في إيران، الذي يعاني مرضا مزمنا.

وأعرب الشاهرودي في اتصال هاتفي مع حمودي عن “سعادته بتولي شخصية مجاهدة تتحلى بالحكمة والإخلاص رئاسة المجلس الأعلى، متمنيا له التوفيق في مسؤولياته بخدمة الشعب العراقي”.

وأغلقت السلطات الإيرانية جميع المكاتب التابعة للحكيم على الأراضي الإيرانية وأبقت على المكاتب التي أعلن قادتها ولاءهم للمجلس الأعلى.

وفي تطور واضح، يسلط الضوء على العلاقات المتوترة مع طهران، أعلن الحكيم، السبت الماضي، أنه سيتخلى عن رئاسة التحالف الوطني، وهو الكتلة الشيعية التي تكفلت بترشيح رئيس الوزراء في الدورات السابقة.

ويقول مراقبون عراقيون لـ”العرب”، إن تخلي الحكيم عن رئاسة التحالف يعني خروج آخر الأطراف المعتدلة من الكتلة الشيعية بعد مغادرتها من قبل أتباع مقتدى الصدر لتصبح حكرا على الأطراف المتشددة الموالية لإيران.

وأكدوا أن خارطة الحراك السياسي الشيعي تتجه نحو الفصل بين معسكرين، الأول موال لإيران ويجمع ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي والمجلس الأعلى بزعامة همام حمودي وعدد من فصائل الحشد الشعبي، والثاني يجمع تيار العبادي وتيار الحكيم والتيار الصدري

لكن هذه الخارطة، بحسب المراقبين، لا تعني تشكيل فريقين انتخابيين متقابلين بل محاور سياسية متنافسة على النفوذ والمصالح.

3