تشجيع الشباب على الزواج في تركيا لايقلل العزوبية

العزوف غير المعلن للشباب التركي عن الزواج، والمتصل بدوره بظواهر اجتماعية أخرى من قبيل الارتفاع المستمر لنسب الطلاق وتقهقر مكانة الأسرة، عادت إلى سطح الاهتمام مؤخرا بإعلان مبادرات رسمية تدعو إلى إقرار دعم مالي للشباب الراغب في الزواج. المسافة بين عمق الظواهر وخطورتها وتداعياتها وبين المبادرة الرسمية تشي بأن التعاطي الرسمي التركي مع الظواهر الاجتماعية الحارقة، هو تعاط سطحي يكتفي بظاهر الأشياء ولا يغوص في عمقها، وهو ما يسمح بقراءة الحلول الرسمية على أنها حلول لا تبتغي غير الغزل الانتخابي، في حين يؤجل النظر الفعلي إلى المشاكلات التي تزيد استفحالا.
الأربعاء 2016/04/27
الزواج تحد هنا

أنقرة - تحاول الجهات الرسمية التركية تشجيع الشباب على الزواج والإنجاب وذلك بغرض الزيادة في الكثافة السكانية والحد من تراجع نسب الزواج مقابل تزايد حالات الطلاق، وتتابعت المبادرات في هذا الاتجاه منذ أن كان رجب طيب أردوغان رئيسا للوزراء وبعد إقرار منح لتشجيع المتزوجين على الإنجاب، أقرت الحكومة مؤخرا مشروعا يستفيد منه الشباب الراغبون في الزواج يقوم على فتح باب تقديم الطلبات من أجل فتح “حسابات زواج”، في البنوك التركية. يتيح للأتراك وأصحاب البطاقات الزرقاء (تعطى للمغتربين الذين تخلوا عن جنسيتهم التركية) الاستفادة من الدعم المقدم من الدولة.

ووفقا للبرنامج، توفر الدولة ما نسبته 20 بالمئة من مجموع مدخرات الشاب أو الشابة ضمن حساب الزواج البنكي، على أن لا يتخطى مبلغ الدعم حوالي 1777 دولارا، حيث يستفيد من “حسابات الزواج” من لم يتخطَ سن السابعة والعشرين ويقدم على الزواج للمرة الأولى. وللاستفادة من هذه المساعدة وضعت الدولة العديد من الشروط من بينها أنه يتوجب على الراغبين في الاستفادة من البرنامج فتح “حسابات زواج” في البنوك التقليدية والتشاركية التركية حصرا، ويشترط أن تفتح الحسابات في فروع البنوك داخل البلاد وبالليرة التركية.

كما يشترط أن يفتح الحساب لثلاث سنوات على الأقل، فيما يمكن لمن لم يتجاوزوا سن الـ18 فتح حسابات عن طريق ولي أمرهم أو الوصي عليهم، على أن لا يمتلك الشخص أكثر من حساب. ويمكن للراغبين في فتح “حسابات زواج” وضع دفعة أولى لدى فتحه، لا تتخطى الـ15 ألف ليرة تركية، ويتم إلغاء الحساب في حال الإخلال بشروطه.

وفي إطار البرنامج، ينبغي تسديد مبلغ لا يقل عن 100 ليرة، ولا يتجاوز الألف ليرة شهريا على مدار 3 سنوات على الأقل قبل تاريخ الزواج، كما يتاح تسديد المبالغ كل ثلاثة أشهر سويا. وتجدر الإشارة إلى أن مساهمة الدولة تبلغ ما نسبته 10 بالمئة (بشرط عدم تجاوز 4000 ليرة) على المبلغ في الحساب المفتوح بين 3 إلى 4 سنوات، فيما ترتفع إلى 15 بالمئة (بشرط عدم تجاوز 4500 ليرة) للحسابات مابين 4 إلى 5 أعوام، وتصبح 20 بالمئة (بشرط عدم تجاوز 5000 ليرة) للحسابات المفتوحة قبل 5 سنوات.

وبعيدا عن المعادلات والحسابات في كيفية الحصول على الدعم أو كيفية سداده فإن هذا البرنامج يفتح مجالا واسعا للاستفهام عما إذا كان الشباب مازال يرغب في الزواج وقادرا على الإقدام عليه؟ ثم ماذا تمثل نسبة الدعم أو المساعدة الحكومية من مجموع تكاليف الزواج؟ كيف يمكن أن تساعد هذه المساعدة الشباب على تحمل المسؤوليات المادية والاجتماعية والمصاريف المترتبة عن إنجاب الأطفال والتكفل بدخل يكفي عائلة، ويضمن لجميع أفرادها العيش الكريم؟

مبادرة لا ترتقي إلى الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تنطلق من دراسة معمقة لأسباب عجز الشباب عن الزواج
هل تعيد مثل هذه المشاريع هيكلة المجتمع، وتستطيع إحياء قيمة الأسرة كمفهوم اجتماعي مقدس لديه اعتباره عند الفرد؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير، إما لم تتبادر إلى أذهان واضعي السياسات الاجتماعية التركية أو أنه يتم تجاهلها إمعانا في مواصلة انتهاج الحلول السطحية التي لا تتعاطى مع جوهر الظواهر الاجتماعية.

وهي حلول تضمر أهدافا سياسية أكثر من أن تقدم حلا جذريا لمشكلة عجز الشباب التركي عن الزواج، وقد تكون حكومة حزب العدالة والتنمية بذلك تحاول التقرب من الشباب وكسب تأييده، وأنها تحاول أن تقدم صورة بأنها حكومة تهتم بالقضايا الاجتماعية وتسعى إلى إيجاد حلول لها.

هذه المبادرة لا ترتقي إلى درجة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي تنطلق من دراسة معمقة للأسباب الحقيقة لعزوف أو لعجز الشباب التركي عن الزواج لأن ما يقف وراء عدم الإقبال على الزواج هو إدراك الشاب بأن تغطية مصاريف الزواج لا تهم إلا مصاريف المراسم والاحتفال وأن العبء الأكبر في بناء أسرة يتمثل في القدرة على تأمين مستوى عيش محترم لأفرادها وهي مسؤوليات تزداد صعوبة في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي الذي يعاني بسببه الشباب من البطالة وغلاء المعيشة.

الشباب التركي يحتاج إلى الشعور بالاستقرار والأمن الاقتصادي والمادي الذي يرجع له الثقة في القدرة على تحمل مسؤولياته الاجتماعية ونفقاته الأسرية وهو ما يتطلب البحث عن حلول لتحسين الأوضاع الاقتصادية والمادية لهذه الفئة، لإرجاع الأمل والرغبة في الحياة وفي الزواج والإنجاب لديها. وهذه الحلول تتطلب استراتيجيات إصلاح تشمل جميع االقطاعات التي من شأنها أن تعود بالفائدة والنفع على عامة الناس وخاصة على الشباب غير أن الواقع التركي يكشف أن السياسات الاجتماعية للحزب الحاكم تهدف إلى كسب تأييد الشباب عبر الاقتراب منه بمثل هذه المشاريع التي يمكن أن تغويه وتقنع بعضه بأن الدولة تهتم بشأنه وتسعى إلى حل مشكلاته.

12