تشرذم دولة القانون واستحالة الولاية الثالثة

الأربعاء 2014/06/04

يتفنن نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، في تصدير جملة من الأوهام والأكاذيب التي اعتاد عليها منذ ولايته المشؤومة الأولى التي حاول فيها تمزيق النسيج الاجتماعي العراقي لكنه لم يحصد سوى الخيبة والخسران، فوحدة الشعب العراقي أقوى من أن يفتتها شخص مصاب بعقدة الطائفية والنزوع الاستبدادي التسلّطي. ولعلّي أذكر هنا بأن الشعار الأبرز الذي صدحت به حناجر المحتجين العراقيين خلال تظاهرات ساحة التحرير في فبراير 2011 التي كانت تطالب بإصلاح النظام هو “كذّاب، كذّاب، كذّاب نوري المالكي”. وكما هو معروف فإن المتظاهرين لا يُطلقون شعاراتهم أو صرخاتهم الداخلية جزافا، وإنما تأتي كنتيجة طبيعية لما يلمسونه من نتائج على أرض الواقع، حيث فشل المالكي على مدى ثماني سنوات في كل الملفات الأساسية الموضوعة تحت اليد وفي مقدمتها الملف الأمني، والمصالحة الوطنية، وتقديم الخدمات وعلى رأسها الكهرباء، والانهيار الاقتصادي، والبطالة، وشحة الموارد المائية، والتصحر، وفشل السياسة الخارجية وما إلى ذلك من ملفات يعرفها المواطن العراقي قبل غيره.

ولو وضعنا جانبا كل المشاريع الوهمية التي وعد بها المالكي الشعب العراقي وذهبت أدراج الرياح، مثل إنشاء المدن الجديدة، ومصافي النفط، والمستشفيات، وتعبيد الطرق، وبناء الجسور، وذكّرناه فقط بأن مدينة “النخيل” في البصرة التي رُصد لها (19) مليار دولار ولم تجد طريقها إلى التنفيذ، بل إن حجر الأساس الذي تهدمت أطرافه والنخلات الثلاث اللواتي متن من العطش هي الشواهد الوحيدة التي بقيت من هذه الجريمة النكراء، جريمة سرقة المال الذي لن يسكت عنه العراقيون، ولن يكفوا عن المطالبة باسترداده في الأشهر القليلة القادمة.

لم تجف أصابع الانتخابات البنفسجية بعد حين طبّل المالكي وجوقته الإعلامية المأجورة بأنه قد حصل على (92) مقعدا في البرلمان وأنه سيشكل حكومة الأغلبية أيضا. ولو دققنا جيدا لاكتشفنا أن واقع الحال يقول إن حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه المالكي قد حصل على (13) مقعدا لا غير، وهو الحزب الذي يمتلك السلطة والمال، ويمارس من خلالهما سياسة الترغيب والترهيب، بينما نالت كتلة المستقلين التي يقودها حسين الشهرستاني (33) مقعدا، فيما حصلت كتلة بدر التي يرأسها هادي العامري على (22) مقعدا، فيما نال حزب الدعوة، تنظيم العراق الذي يتزعمه خضير الخزاعي (16) مقعدا. واللافت للنظر أن الأشخاص الأربعة متهمون بالفساد وسرقة المال العام وانتهاك حقوق الإنسان بدءا من هادي العامري الذي يُعرف في العراق بـ “الدريل” أو المثقاب الكهربائي الذي كان يعذب به الضحايا العراقيين من السُنة على وجه التحديد حينما كان وزيراً للداخلية. أما سرقة المال العام فلا تزال تقترن بخضير الخزاعي وقضية الهياكل الحديدية للمدارس التي استوردها من إيران وفضحتها النائبة العراقية مها الدورة. أما السيد الشهرستاني فقد تعددت مناصبه وفشل فيها جميعا وعلى رأسها الكهرباء، حيث صرّح غير مرة بأن العراق سوف يصدر الكهرباء في عام 2013، وقد انصرم ذلك العام ولم نصدر أي شيء، بل بالعكس فقد “عادت حليمة إلى عادتها القديمة” وبدأت الكهرباء تنحسر في انقطاعات مثيرة للجدل، فقبل الانتخابات كان توزيع الكهرباء جيدا في كل المحافظات العراقية لكنها تدهورت فجأة بعد طي صفحة الانتخابات. لقد صرّح المالكي بعظْمة لسانه أن الشهرستاني لم ينقل له الحقيقة كاملة بشأن إنتاج الطاقة الكهربائية، بل زوّده بأرقام غير صحيحة، وبكلمات أخرى “كذّب عليه”، ويبدو أن الكذب دينهم وديدنهم، ولكن الجميع يعرفون أن “حبل الكذب قصير”. فحزب الدعوة الإسلامية لم ينل أكثر من (13) مقعدا، وأن مؤازريه السابقين لهم طموحات لا تقل عن رئاسة مجلس الوزراء، فالشهرستاني يريد هذا المنصب، ويطمح إليه، ولكنه قد يخجل من طبيعة الخدمات التي قدّمها المالكي خلال الولايتين المنصرمتين، لكنه إذا انسحب من دولة القانون فإنه سيقلب الطاولة على المالكي ومن معه. أما هادي العامري الذي يحلم هو الآخر بمنصب الرجل الأول في الدولة قد يعود إلى حاضنته الأولى، المجلس الإسلامي الأعلى ويتمترس معها ليضرب المالكي في الصميم، وربما يتركه وحيدا في العراء لتنكشف كل الأوهام والأكاذيب التي مرّرها على الشعب العراقي خلال ثماني سنوات عجاف. فلقد تبين أن قطع الأراضي التي وزعها المالكي قبل الانتخابات كانت مزورة وغير قانونية، تماما مثل نتائج الانتخابات المزورة التي سرقوا فيها أصوات الناس البسطاء الذين خرجوا بالملايين لكنهم اكتشفوا أنهم كانوا يركضون وراء أحلام كاذبة.

إن ما تسمى بدولة القانون مقبلة على تشرذم لا مثيل له، خصوصا إذا أصرّ السيدان مقتدى الصدر وعمار الحكيم على موقفهما في رفض الولاية الثالثة التي ترسّخ دكتاتورية المالكي، وأعادا تشكيل الائتلاف الوطني العابر للقوميات والإثنيات والطوائف، فهذه المقاعد الثلاثة عشر لن تنفع المالكي في شيء، كما لا تفيد حزب الدعوة الإسلامية الذي فقد بعض شخصياته الرئيسة وحلّت محلها شخصيات جديدة لا تخرج عن الدائرة الضيقة لعائلة المالكي وأقربائه التي استنسخت تجربة النظام العراقي السابق الذي اختزل الوطن والحزب في شخص الرئيس وباتت حكومته حكومة عائلية بامتياز. تُرى، هل يقبل العراقيون باستنساخ حكم الحزب الواحد أو العائلة الواحدة، أم أنهم مصرون على ترسيخ النظام الديمقراطي الذي سيلفظ الكذابين والفاسدين والفاشلين والمزوِّرين والذين باعوا ضمائرهم للأجنبي؟

6