تشريعيات تونس: حقائق تبينت وأخرى في الانتظار

انتخابات الأحد أفرزت برلمانا سيزيد من معاناة التونسيين، الأيديولوجيات ستقيّد تحركاته، والشعارات السياسية غير المعقلنة ستسيطر عليه، والتشتت سيكون السمة الطاغية على أدائه.
الثلاثاء 2019/10/08
تونس لن تكون بمعزل عن تحولات كبرى على جميع المستويات

أفرزت الانتخابات البرلمانية التونسية نتائج مثيرة للجدل: 59 بالمئة من الناخبين في الداخل، و84 بالمئة في الخارج يمتنعون التصويت. فوز بطعم الهزيمة لحركة النهضة، وفوز حزب قلب تونس بالمركز الثاني بينما لا يزال رئيسه قابعا خلف قضبان سجن المرناقية. عودة تشكل التيار الثوري الراديكالي الإخواني ممثلا في ائتلاف الكرامة وفوزه بالمركز الثالث. نتائج إيجابية للتيار الديمقراطي وبروز مفاجئ للقوميين العرب من خلال حركة الشعب وبعض المستقلين لتكون لهم كتلة معتبرة في البرلمان القادم. نجاح الحزب الدستوري الحر في تشكيل كتلة برلمانية رغم أن نتائجه كانت أقل من المتوقع. انهيار كامل وغير مسبوق لليسار الماركسي يجعله يغيب عن البرلمان القادم بعد أن كان حاضرا تحت قبة باردو منذ عام 2011.

هناك كذلك معطيات واضحة أفرزتها الانتخابات منها أن الشعب التونسي لا يزال ككل الشعوب العربية غير مؤهل لمسار ديمقراطي ناضج وواع، وغير مدرك لجدوى الذهاب إلى صناديق الاقتراع. الشباب التونسي لا يزال في أغلبه في حالة قطيعة مع السياسة والسياسيين باستثناء المؤدلجين منه.

الإعلام وخاصة منه المرئي والمسموع متورط في ترذيل العمل السياسي وتيئيس التونسيين من أي دور قد تقوم به النخبة. مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى أهم منصة للدعاية الانتخابية التي لا تعترف بالصمت الانتخابي ولا بقوانين المنافسة وأخلاقها، حيث عادة ما تعتمد على تشويه المنافس بدل التعريف ببرامج أصحابها. المال لا يزال له دور في توجيه الأصوات الانتخابية، وتيارات الإسلام السياسي لا تزال تعتمد على منطق التفريق بين التونسيين بشيطنتها لمراحل من التاريخ أو مواقع من الجغرافيا أو فئات من الشعب.

نتيجة لهذا وغيره، سيكون لتونس برلمان مشتت ومتشظ من الصعب التوصل فيه إلى تحقيق أغلبية مريحة، والخطاب تحت قبته سيكون نموذجا للعداء الأيديولوجي قبل الاختلاف السياسي، وهو ما سيزيد من بث الفرقة بين التونسيين. أصحاب المواقف المتطرفة سيلعبون على هذا الاتجاه برفع شعارات قصووية شعبوية لكسب أنصار جدد في ظل حالة من اليأس الشعبي من أي عملية إصلاح حقيقية خاصة في الجانبين الاقتصادي والاجتماعي، والخطاب الأيديولوجي الإسلامي المباشر على شاشات التلفزيون سيزيد من عزلة تونس في محيطها، كما سيدفع إلى مشاكل عدة في الداخل خاصة في ما يتعلق بالعلاقة مع منظمة كبرى كالاتحاد العام التونسي للشغل التي جعل البعض من إبداء العداء نحوها طريقا إلى الفوز بمقعد برلماني.

الشباب التونسي لا يزال في أغلبه في حالة قطيعة مع السياسة والسياسيين
الشباب التونسي لا يزال في أغلبه في حالة قطيعة مع السياسة والسياسيين 

يزداد الأمر غموضا في حالة وصول حركة النهضة إلى رئاسة البرلمان والحكومة معا، أمر كهذا سيكون له تأثير على علاقات تونس مع دول عدة، منها الجزائر التي تشهد مخاضا يلعب فيه الإسلاميون دورا كبيرا عكس إرادة الدولة العميقة التي ستنظر بحذر إلى جارتها الشرقية. الأمر ذاته في ليبيا فمجرد سيطرة الجيش الوطني على حدود بلاده الغربية يعني أن العلاقة بين البلدين ستدخل ثلاجة الموتى، نظرا لتعاطف النهضة وحلفائها المعلن مع ميليشيات الإخوان المنضوية تحت المجلس الرئاسي.

فرنسا سيكون الموقف معها صعبا في ظل منافسة بريطانيا لها على تونس والمنطقة، فالإسلاميون وحلفاؤهم يبدون العداء لباريس ليس لأسباب تاريخية أو اقتصادية أو سياسية كما يظهرون في خطابهم، وإنما لأنهم مرتبطون بعلاقات قوية مع لندن عرابة الإسلام السياسي والمدافعة عنه، في إطار تحولات كبرى يراد لها أن تكون في خارطة الجغرافيا السياسية والاستراتيجية.

وصول قيس سعيّد إلى سدة الرئاسة في قصر قرطاج سيحاول الإسلاميون أن يستفيدوا منه لإحياء ما يسمى بجذوة الثورة والربيع العربي من خلال خطاب سيقرأ على أنه استهداف لمحور الاعتدال العربي، وهنا سنجد أنفسنا أمام حلين أحلاهما مر: إما أن ينضم سعيّد وأنصاره إلى خطاب الإخوان ويتبناه ليزيد من حجم التشدد في الاتجاه العام لسياسات الدولة، أو أن يصطدم معهم لتدخل البلاد في تناقضات لن تزيد الأوضاع إلا سوءا. فتونس اليوم في حاجة إلى علاقات متوازنة مع الجميع إقليميا ودوليا، وهي مرتبطة بعلاقات تقليدية، وباتفاقيات وأسواق معلومة لمنتجاتها، وبواقع يفرض عليها البحث عن مصادر تمويل ودعم وإسناد لمواجهة وضعها المالي والاقتصادي المتردي.

تونس تحتاج عاجلا وسريعا إلى إصلاحات اقتصادية فعلية قد تكون موجعة ولكنها ضرورية، وهذا من الصعب أن يتحقق في ظل البرلمان الجديد الذي تتناقض مواقف كتله حول تلك الإصلاحات وما ستؤدي إليه من هزات اجتماعية.

انتخابات الأحد أفرزت برلمانا سيزيد من معاناة التونسيين، الأيديولوجيات ستقيّد تحركاته، والشعارات السياسية غير المعقلنة ستسيطر عليه، والتشتت سيكون سمة طاغية على أدائه، ليستمر الوضع على ما هو عليه لخمس سنوات، إن لم يتم حله قبل ذلك بكثير، فتونس لن تكون بمعزل عن تحولات كبرى على جميع المستويات سيعرفها العالم قبل انتهاء الفترة النيابية الجديدة.

8