تشريع تونسي لمحاربة الفكر الظلامي في المدارس الدينية

تمثل المدارس القرآنية في تونس واحدة من أكثر المسائل حساسية وإثارة للجدل. وكشفت العديد من التقارير الرسمية والإعلامية عن انتشار الفكر المتشدد داخل المدارس المتخصصة في تقديم تعليم ديني للأطفال مما أثار مخاوف الدولة والمواطنين، في ظل تهديدات الجماعات الإسلامية المتطرفة لأمن البلاد. وتحاول تونس تنظيم عمل المدارس القرآنية بسبل لا تتنافى مع مبادئها المدنية.
الخميس 2017/06/15
زرع بذور التطرف

تونس - وضعت الحكومة التونسية محاربة الفكر المتطرف من أهم أولوياتها بهدف إحباط التهديدات الإرهابية المتربصة بها. وتعي تونس جيّدا أهمية الوقاية في هذا السياق، مما جعل وزارة الشؤون الدينية تعمل على مشروع قانون جديد يتعلق بإدخال تعديلات على أساليب التدريس في المدارس القرآنية.

وقال أحمد عظوم وزير الشؤون الدينية في تونس، الثلاثاء، إن وزارته تعدّ لقانون يهدف إلى مراجعة طرق التدريس في رياض الأطفال الدينية بهدف التصدي للتطرف.

وأعلن الوزير أن القانون، الذي يشمل الكتاتيب (مدارس قرآنية تقليدية) المنتشرة في الأحياء الشعبية وفي المساجد، يقطع مع الطرق البدائية التي تعتمد على العصا.

وقال سليم قاسم رئيس الجمعية التونسية لجودة التعليم، في تصريح لـ”العرب”، “إن كل إجراء يرمي إلى تكريس سلطة الدولة وعلوية القانون والحد من فوضى السنوات الماضية في كافة القطاعات مرحب به”، شرط أن يتم في ظل المبادئ التي تأسست عليها الجمهورية.

وأكد قاسم أن للمؤسسات التربوية وزارة واحدة تتحمل مسؤوليتها هي وزارة التربية، وأن الأحرى بالجهود أن تصرف في إكساب المشهد التربوي المزيد من الانسجام والفاعلية، منتقدا تدخل وزارة الشؤون الدينية في تنظيم المدارس القرآنية.

وتمثل الكتاتيب حاضنات للأطفال تسبق دخولهم إلى المدارس وتعتمد في أغلبها طرقا بدائية في تلقين الناشئة القرآن والتعاليم الدينية، كما تحتفظ الذاكرة العامة في تونس بصورة الشيخ الملقن الماسك بعصاه في الكتاتيب.

وقال سامي نصر الباحث في علم الاجتماع، في تصريح لـ”العرب”، إن “تفشي ظاهرة التطرف وصلت إلى درجة لم تعد تنفع معها التشريعات”، والاعتماد على القوانين فقط لن يكون فعّالا أمام معالجة خطورة الظاهرة.

وأكد أن الترسانة التشريعية لازمة في مواجهة مخاطر انتشار الأفكار الظلامية والتشدد الديني. لكن بشرط تنسيقها مع العديد من البرامج الأخرى.

وكانت الكتاتيب محور جدل عام بعد الثورة عام 2011. وشهدت تونس، في تلك الفترة، طفرة واسعة في انتشار المدارس القرآنية وأدى ذلك إلى مخاوف من انتشار الفكر المتشدد في مدارس عشوائية لا تخضع إلى مراقبة الدولة.

وقال عظوم إن “إعادة الاعتبار لكتاتيب الأطفال بالمساجد البالغ عددها 1600 بكامل جهات الجمهورية يعتبر خط الدفاع الأول أمام الفكر المتطرف وأساس التوقي من كافة أشكال الإرهاب”.

وتقول الوزارة إنها ستخضع مضامين الدروس الدينية الموجهة للأطفال إلى المراقبة وستعمل على تأهيل المدرسين في تلك الفضاءات التقليدية ضمن خططها “لحماية الناشئة من الفكر الظلامي”.

وتابع نصر أن المشكل لا يتمثل في المدارس القرآنية في حد ذاتها بل يكمن في تنظيمها، مشيرا إلى أنه “إذا فتح شخص ما مدرسة أو روضة أطفال ثم اتضح أن غاياته نشر الأفكار المتشددة بين الأطفال فهذا يصبح مسؤولية الأجهزة الرسمية التي ساهمت بطريقة ما في ذلك من خلال عدم تنظيمها للقطاع وعدم قيامها بواجبها الرقابي جيدا”.

وحظرت وزارة شؤون المرأة والطفل، في عام 2012، ارتداء النقاب في كافة مدارس الأطفال والنوادي الثقافية التابعة لها ردا على اجتياح كبير لهذه الظاهرة مع صعود التيارات السلفية المتشددة في تلك الفترة.

كما أغلقت الحكومة لاحقا عددا كبيرا من المدارس القرآنية العشوائية بعد تعرض البلاد لهجمات إرهابية متكررة في مسعى إلى الحدّ من التطرف.

وبداية العام الماضي، أثارت تصريحات لسميرة مرعي (وزيرة الصحة في تونس حاليا)- عندما كانت تشغل منصب وزيرة المرأة والأسرة والطفولة- جدلا كبيرا عندما أعلنت أنها تعتزم إصدار قرار يقضي بغلق رياض الأطفال القرآنية “لأنها تضرب وحدة النظام التعليمي في تونس وتهدد تجانس المجتمع ومصلحة الطفل”.

وقال علية العلاني الباحث في الجماعات الإسلامية، في تصريح لـ”العرب”، “ليست المدارس القرآنية هي التي ستقضي على الإرهاب” رغم مساهمتها الكبيرة في ذلك. ويرى العلاني أن المطروح عاجلا على وزارة الشؤون الدينية التونسية أن تكون استراتيجيتها واضحة في مراقبة الخطاب الديني في الخطب والدروس بالمساجد.

وانتقد العلاني أن يكون 15 بالمئة فقط من الأيمة حاصلين على تكوين علمي، وأكد أن وزارة الشؤون الدينية في حاجة مستعجلة إلى تطوير قطاع الوعاظ الذي يشكو خللا كبيرا في التكوين.

وأشار العلاني إلى أن جزءا من إطار الوعاظ لا يتبنى الفكر المعتدل، إذ أصبح الكثير منهم يتبنى فكر الإسلام السياسي أو الفكر السلفي الراديكالي نتيجة فترة حكم الترويكا. وأكد العلاني أن قسطا كبيرا من المدارس القرآنية في تونس يطبق الفكر الراديكالي، مقابل عدد قليل يطبق استراتيجية وزارة الشؤون الدينية.

4