تشظي الهوية العراقية

الجمعة 2013/09/13

لا تأتي الطبقة الحاكمة بعاداتها وتقاليدها فحسب، بل تأتي بلغتها ولهجتها وألقابها أيضًا، وتفرضها على المجتمع بمرور الوقت حتى يصبح الشارع صدى لهذه الطبقات.

قبل 2003 كان الحاكم البدوي قد حوّل الشارع العراقي إلى ثكنة عسكرية ترطن بمفردات الصحراء، والسلاح ترجمة محكمة لهذه المفردات التي تحولت إلى قاموس للمواطن البغدادي المسكين. الآن نشهد انفصالا بين الذات ووعيها بهويتها، أو بعلاقتها مع محيطها، كما نشهد اضطرابًا في توظيف الزمان والمكان في الوعي المعاصر؛ لم ينجح، ولن ينجح، في بناء إستراتيجية لترميم الوعي للذات المنكفئة.

لغة اللاوعي- عندما يتعلق الأمر بالمرأة مثلا- تنتج تعبيرات لا واعية هي تثمير جارح وهذياني، وقيمة تبخيسية يراد منها تسفيل المرأة. تسمع اليوم في الشارع العراقي، مفردات مُرَحَّلة من القرية إلى المدينة. يقال للمرأة الجميلة «صاكة» وهي مفردة عامية تطلق على الأشياء المسبوكة جيدا. يقال أيضا «بطة» لتسفيل هذه المرأة الجميلة إلى أقصى حد ممكن بتحويلها إلى حيوان.

يتكاثر ما هو جسدي في التعبيرات اللاواعية المحكومة بما هو رمزي وتخييلي وبأواليات الدفاع واللغة والتراث وباللسان والأيدولوجيا. لكن هذه اللغة اللاواعية هي، في الوقت نفسه، اجتماعية ونفسية وإنسانية «مفهوم الهوية».

لا يزال التلقيب سائدًا في الأوساط الشعبية، ولاسيما في الأرياف، حيث يمثل الأواليات الدفاعية، التعويض، التكوين العكسي، الإبدال أو التضخيم. فاللقب حصن وهرب من المرارة والمأساة، حيث تمنح السلطة اللغوية هنا للكلمة «اللقب».

لا يملك الفرد الباحث عن الألقاب صورة إيجابية عن الذات، لأن الرضا عن النفس هو مكون أساسي للصحة النفسية والاجتماعية، والتوازن والشعور بالجدارة، أو الأمن «رسوخ الهوية»، لذلك يأتي اللقب للتغلب على المعايير غير الموضوعية في ذات الفرد والجماعة. العلاج العرفاني والثقة بالجماعة لا يأتي بإرادة للشفاء.

لا يسلم الرجل/ الذكر في الشارع العراقي من هذه اللغة اللاواعية فهو «مصكوك» أيضا، لكن هذه المفردة العامية لا تعني أنه جميل مثلما يطلق على المرأة، إنها تعني هنا «مقتول» و»مغلف» أي ملفوف وفي طريقه إلى الدفن.

خلال السنوات العشر الماضية، وربما قبل هذا الوقت أيضًا، انقلبت اللغة العراقية على نفسها أكثر من مرة، لكنها دائما تقع على الجهة الخطأ بحيث لم يعد مهما المعنى الذي ترمز إليه المسميات الجديدة. أصحاب الثروات السريعة أسهموا، من دون أن يعرفوا، بابتكار لغة جديدة غير واعية. لهذا السبب ربما لم يعد الحوار ممكنا بين العراقيين، «تشظي الهوية».


كاتب عراقي

9