تشغيل القاصرات في تونس سبيل المناطق الفقيرة لكسب القوت

رغم تشديد العقوبات من الحكومة التونسية على مشغلي الفتيات القاصرات كمعينات منزلية إلا أن الظاهرة بصدد التفاقم وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى ترسانة قوانين غير مفعلة على أرض الواقع. ويرى أخصائيون أن الفقر والانقطاع المبكر عن الدراسة خاصة في المناطق الفقيرة من أهم أسباب استغلال الأطفال في مثل هذه المهن الشاقة.
السبت 2017/11/04
الفقر يهدد الفتيات

تونس - يجرّم القانون التونسي تشغيل الأطفال القصر دون 18 سنة، إلا أن النص القانوني غير كاف لمعالجة ظاهرة تفاقم تشغيل الفتيات كمعينات منزلية ما لم يتمّ تدعيمه بإجراءات رقابية حسب ملاحظين محليين.

وتؤكد التشريعات القانونية أن تشغيل الأطفال يعد استغلالا اقتصاديا من شأنه أن يمس من سلامتهم الجسدية والنفسية والمعنوية على معنى أحكام مجلة حماية الطفولة في فصلها الـ20، كما أنّ تشغيل الأطفال دون السن القانونية يُعاقب عليه.

وأقرّت وزيرة المرأة نزيهة العبيدي في شهر مارس 2017، بوجود ما أسمتها ظاهرة “البيع والمتاجرة بالفتيات القاصرات”، في عدد من الأسواق الأسبوعية بالبلاد وهو ما يؤكد وجود “أسواق للنخاسة” في أول بلد حرّم الرّق سنة 1841.

وقالت العبيدي أن الوزارة تتابع هذه الحالات، مؤكدة أن هذه الممارسات تتنافى مع مقتضيات مجلة حقوق الطفل، ومع قانون العمل الذي يمنع تشغيل الأطفال دون سن السادسة عشرة.

وتبلغ نسبة العاملات بالمنازل التي تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاما 17.5 بالمئة يعشن بلا حماية ولا يعرفن حقوقهن ويعانين من هشاشة بدنية بحكم صغر سنهن إلى جانب عدم تأهيلهن وتكوينهن.

معز الشريف: قوانين منع تشغيل القصر غير مفعلة ولا بد من إشعار المواطنين بذلك

وتتصدر محافظة جندوبة قائمة المحافظات المصدرة في مجال تشغيل الأطفال كمعينات منزلية بنسبة 27.4 بالمئة ثم القصرين والقيروان بنسبة 16.4 بالمئة ثم بنزرت 9.6 بالمئة، وقد وصل الأمر في محافظة جندوبة إلى حدّ إقامة سوق أسبوعية في الغرض وفق دراسة نشرتها جمعية النساء التونسيات للبحث حول التمنية.

وقال الباحث في علم الاجتماع سامي نصر في تصريحات لـ”العرب” إن الخصاصة والانقطاع المبكر عن الدراسة من أهم أسباب تشغيل القاصرات كمعينات منازل، مشيرا إلى أن المناطق الأقل تنمية تعتبر المصدرّ الرئيسي للعاملات القاصرات باتجاه المناطق الأكثر ثراء.

وأضاف نصر “هناك أولياء للأسف يحملون عقلية أن الفتاة مشروع استثماري لجني الأموال ولا بد من تشغيلها في سن مبكرة من أجل مساعدة العائلة ماديا”، مشيرا إلى ضرورة توعية المواطنين بالمخاطر النفسية والبدنية لاشتغال الأطفال بصفة مبكرة.

وانتقد نصر “غياب آليات الرقابة والتبليغ عن حالات تشغيل القاصرات رغم وجود قانون يجرّم مثل هذه الممارسات”.

ودعا الباحث في علم الاجتماع إلى تكثيف الحملات التوعوية وإرفاق القوانين الزجرية بآليات رقابية للتصدي لمثل هذه الظواهر.

وتؤكد إحصائيات شبه رسمية أن عدد المعينات المنزليات بلغ 78 ألف تونسية، فيما تشير أرقام إلى أن العمل في المنازل يمثل نحو 4 بالمئة من القوى النشيطة وأن العمل بالمنازل يعدّ القطاع الثاني المشغّل للنساء في البلاد بعد قطاع النسيج.

وقال رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف في تصريحات لـ”العرب” إنّه “ليس هنالك معطيات إحصائية دقيقة حول ما يحدث للأطفال الذين ينقطعون عن المدارس ويتم تشغيلهم، لكن ما تتم ملاحظته بصورة عامة هو أنّه يتم استغلالهم اقتصاديا سواء كانوا ذكورا أو إناثا عبر العديد من القطاعات المختلفة”.

وقال الشريف إن ظاهرة عمالة الأطفال موجودة في أغلب ولايات الجمهورية ومنتشرة بكثرة في مناطق الشمال الغربي من بينها جندوبة وبنزرت، معتبرا أن التراكمات الاجتماعية والاقتصادية، وخاصة الفقر والانقطاع المبكر عن الدراسة، تساهم في تفاقم هذه الظاهرة وسط صمت السلطات وعدم تفاعلها الجدي لمعالجة هذه المسألة.

ودعا الشريف إلى ضرورة وضع استراتيجيات وضوابط تحمي الطفل مستقبلا من الاستغلال الاقتصادي في أعمال لا تناسب سنه وذلك من خلال تأطير الآباء وتوعيتهم بمخاطر تشغيل الأطفال النفسية والبدنية.

وانتقد الشريف غياب آليات إبلاغ عن مثل هذه المخالفات القانونية، مطالبا بوضع رقم أخضر على ذمة المواطنين من أجل الإعلام في صورة وجود حالات لتشغيل الأطفال القصر.

سامي نصر: للأسف العديد من الأولياء ينظرون إلى الطفلة على أنها مشروع استثماري

وتعهدت السلطات التونسية، من أجل الحد من هذه الظاهرة، بمعاقبة كل المتورطين بما يتلاءم مع مصلحة الطفل. كما أقرت قانونا ينص على تغريم كل ولي يمتنع عن إلحاق ابنه بالتعليم أو يسحبه منه دون سن الـ16 بخطية مالية تتراوح بين 200 دينار و1000 دينار لتصبح 2000 دينار في صورة العود.

وجاء في الفصل 19 من نص القانون أنه يعاقب بالسجن من “ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر وبخطية من ألفي دينار إلى خمسة آلاف دينار كل من يتعمد تشغيل الأطفال”، و”يسلط نفس العقاب المذكور بالفقرة المتقدمة على كل من يتوسط لتشغيل الأطفال”، كما تضاعف العقوبة في حالة العود، وتعدّ المحاولة موجبة للعقاب.

وبالمصادقة على هذا القانون أصبحت تونس أوّل دولة مغاربية تمنع نهائيا تشغيل من هم أقلّ من 18 سنة في المنازل، إذ تعرّف مجلة حقوق الطفل في تونس هذا الأخير بأنه “كل إنسان عمره أقلّ من 18 عاما، ما لم يبلغ سن الرشد بمقتضى أحكام خاصة”.

ويعطي قانون عمال المنازل للأشخاص الحق في تشغيل أطفال ما بين سن 16 و18، وهو ما لم يعد متاحا مع الفصل الجديد الذي منع هذه الإمكانية بشكل نهائي، وهو ثاني تعديل يطرأ على سن تشغيل الأطفال في العمالة المنزلية بتاريخ تونس بعد الاستقلال، إذ كان المنع محصورا في من هم أقل من 14 عاما في قانون 1965، ثم تغير العمر في تعديل عام 2005 إلى 16 عاما.

21