تشكيلي سوري ينشر الفرح وسط واقع مأزوم

أعمال الفنان أحمد أبوزينة تتميز بالتجريد الذي يحمل بين طياته مقومات عالية في طرح مواضيع قديمة عبر أفكار مستوحاة من نسيج الفهم المكاني في اللوحات المعروضة.
السبت 2018/08/04
ألوان تنتصر للحياة

دمشق- بدا واضحا في الأعمال الأخيرة للفنان السوري أحمد أبوزينة المعروضة في المركز الوطني للفنون البصرية بدمشق، اهتمامه بإيجاد مساحات لونية تضج بالحيوية والفرح، في تدفق لوني بهيج يحيل المتلقي إلى حالات من الفرح والتفاؤل، كأنها محاولة منه لزج المُشاهد في حالة من السعادة هربا من واقع مؤلم، وهو الأمر الذي دأب عدد من الفنانين التشكيليين السوريين على العمل عليه في لوحاتهم التي سبق وأن أنجزوها خلال فترة الحرب.

وعن هذه الثيمة، يقول الفنان أبوزينة “أردت في المعرض أن أصنع فاصلا بين المتلقي السوري وبين الواقع الصعب الذي يعيشه منذ سبع سنوات، هي عمر الأزمة التي عصفت بسوريا حديثا، ما مر على المواطن خلال سنوات الأزمة كان مريرا وصعبا وقاسيا، لذلك أردت أن أزيح عن مخيلته ووجدانه الكثير من المواجع التي واجهها بما حملته من آلام، ونقله إلى حالة من الفرح والتفاؤل”.

ويضيف “لذلك أردت أن تكون الألوان فرحة وباعثة على السعادة، لأنني أرى أن المواطن السوري صار بحاجة إلى جرعة من الفرح بعد سنوات صعبة عانى فيها من القسوة والخطر، فلا بد للإنسان من نقطة نعيد من خلالها التوازن إليه، ليستشعر الجمال والفن، وهنا يكمن دور الفنان، الذي يستطيع بمهاراته الفنية العديدة أن يخلق عالما افتراضيا أجمل من الواقع، يحيل المتلقي إليه ويكون ملاذا له يلجأ إليه هربا من واقع مأزوم، ليجد فيه ضالته في مساحة فنية أكثر جمالا وهدوءا وسلاما، بحيث يعود لإنسانيته المسلوبة التي تعرضت للتهشيم بسبب الحرب وآثارها”.

أحمد أبوزينة:  على التشكيلي أن يصنع عبر أعماله الفنية عالما افتراضيا أجمل من الواقع
أحمد أبوزينة:  على التشكيلي أن يصنع عبر أعماله الفنية عالما افتراضيا أجمل من الواقع 

وعن استخدامه لتقنية الكولاج، الذي ظهر في العديد من اللوحات، بين أبوزينة “لم أستخدم سابقا هذا الأسلوب في معارضي الفنية، لذلك أردت بعد سنوات طويلة من العمل أن أقدم عليه، فكان دأبي في هذه الفترة العمل حثيثا على وضع توليفات فينة كثيرة، بعضها معقد، لما يحمله هذا الشكل الفني من أهمية وآفاق إبداعية كبيرة، يستطيع الفنان من خلالها أن يذهب بعيدا جدا في سبر الروح الإنسانية والوصول معها وبها إلى لحظات مشتركة من الفن الجميل، لذلك اعتمدت في العديد من اللوحات على تقنية الكولاج بما فيه من خصوصية تميّزه وتميّز من يشتغلون عليه”.

وتتميز أعمال أبوزينة عادة بالتجريد الذي يحمل بين طياته مقومات عالية في طرح مواضيع قديمة بشكل متجدّد وجريء عبر أفكار مستوحاة من نسيج الفهم المكاني في اللوحات التي يعرضها، وهي اللوحات التي يحضر فيها المكان بقوة، حاملا تفاصيله الخاصة به، ليبث فيها الفنان السوري قيمه وناسه وآلامه وأحلامه، وهذا الأسلوب الذي يعمل عليه أبوزينة صار ملمحا هاما وواضحا في معظم معارضه التي يقدّمها، وهو يستفيد دائما من الحراك الدائم مع جمهوره في تقديم رؤى فنية جديدة، يطرحها بشكل مستمر.

وحفلت بعض لوحات أبوزينة بحروف غير مقروءة تتناثر في غير مكان من اللوحة، وعنها يقول “هي فرصة للتأمل والوقوف مليا في عالم اللوحة وسبر أغوارها والاستمتاع باللون المشرق بطعم الحب والأمل، هي فرصة لتذوق حلاوة الشعور بأن النصر نعيشه في الفن كما الحياة لننهل منه جرعة أخرى تكون زادنا في ملمات الحياة”.‏‏

وفي المعرض الأحدث للفنان أبوزينة تغيب إلى حد بعيد ملامح الشخوص، ليحضر بدلا منها المكان، ببهائه وحيويته وتاريخه البيئي الذي يود نقله إلينا من خلال أبجدية ما، يستطيع من خلالها إدارة حوار مفترض بينه وبين المتلقي، لتحضر حركة الألوان وتدفقاتها وتدرجاتها التي تدهش المشاهد، في بناء شكل فني متجدّد، يحيل إلى أماكن جديدة، حيث لا يشعر الزائر لمعرضه بتكرار أو ملل، بل بشعور طاغ بالفرح دون أن يعرف تماما ما السبب الكامن وراء ذلك؟

ويرى أبوزينة أن المدرسة التجريدية ستكون الأقرب للمتلقي في المستقبل بما تحمله من خصوصية وتميز للفنان وللحركة التشكيلية السورية، لافتا إلى أن عمله مع اللوحة يكون بشكل تفاعلي دون إعداد مسبق وغالبا ما تقوده هي إلى الشكل النهائي للعمل.

13