تشكيلي مغربي يستحث الذاكرة في منمنمات فنية

في أعمال الفنان عبدالحي الدمناتي المفعمة بالأشكال الهندسية، هناك ربط بعدي واضح بين طريقته في ضبط الألوان للتعبير عن مطالبة بتجديد روحي، ونزوع بسيط للامتناهي والمطلق.
الأربعاء 2018/12/05
تكرار الأشكال يعطي للزخرفة كثافتها

"ذاكرة في منمنمات" هو موضوع الآثار الفنية الجديدة للفنان التشكيلي المغربي الرسام عبدالحي الدمناتي، المزمع عرضها في رواق “الفن B&S” بالدار البيضاء في الفترة الممتدة بين 13 ديسمبر الجاري والـ13 من يناير 2019.

الدار البيضاء (المغرب)- هشام ؤقرزاز- طقوس نسائية حميمية في قلب الرياضات، احتفاليات، مواكب، أسواق، مقاه شعبية، حلقات، نزهات، أزقة، تلقين العلم في القرويين.. هذا هو المعرض المقرر افتتاحه في 13 ديسمبر الجاري والذي يتراءى كرحلة مثيرة للدهشة في العالم المصور للفنان الفاسي عبدالحي الدمناتي المتجذر في العراقة الإسلامية. وستحتضن جدران رواق “الفن B&S” بالدار البيضاء على امتداد شهر كامل أحدث أعمال الرسام  المغربي عبدالحي الدمناتي ضمن رؤية جمالية مدفوعة بعراقة المنمنمات العربية الإسلامية.

والمعرض هو فرصة لعشاق الفن المغربي المعاصر للنفاذ إلى العالم المصور ذي الطبيعة الصوفية القطعية لهذا الفنان الذي رأى النور بفاس سنة 1962، ومن هنا ينبع اختيار موضوع هذا المعرض “ذاكرة في منمنمات”. وتشهد تراكيب الفنان التشكيلي المغربي على إرادته الثابتة في التعبير عن طيات الإحساس المرهف والتأمل والنشوة، مستعملا لغة تزيينية مفعمة بالمعاني الجمالية لهذا الفن وقيمته الإنسانية الممتدة في التاريخ، ليس بأسلوب تزويقي فاقع، سهل أحيانا، والذي قدمته التيارات الرومانسية والمذاهب الطبيعية على أنه روحها الفنية ذاتها.

في أعمال الدمناتي المفعمة بالأشكال الهندسية، هناك ربط بعدي واضح من قبل الرسام بين طريقته في ضبط الألوان للتعبير عن مطالبة بتجديد روحي، ونزوع بسيط إلى اللا متناهي والمطلق، بحث داخلي، تصوف، ورمزية…

بنيونس عميروش: الدمناتي يؤسس لقواعد جديدة للصورة والمُصوّر بوضعها ضمن بعد عاطفي
بنيونس عميروش: الدمناتي يؤسس لقواعد جديدة للصورة والمُصوّر بوضعها ضمن بعد عاطفي

جرت العادة على أن ينظر إلى أعمال الدمناتي ويحكم عليها من زاوية روحية، لأن الفنان يولي أهمية كبيرة لمعيشته اليومية، لفاس مسقط رأسه، لمعمارها الأصيل، لسحر طقوسها وذاكرتها الجماعية. من هنا، ترشحُ صوره المعبرة حينا، المتحركة حينا آخر، ومن خلال هذه الثيمات التي لا يقل غناها عن رمزيتها، يتراءى مخطط فني متناسق تبقى وحدة فضاء فاس الضامن لتناغمه وعظمته.

من عمل إلى آخر، تنبثق إذن تراكيب زخرفية تتكاثر، تبعا لتعبير تدريجي، ضمن علاقة إدراكية أساسها أشكال متتالية أو متداخلة، والهدف هو رسم وعكس العلاقة الوثيقة بين الجانب التعبيري الذي يُولِّد المعنى والجانب التزييني الذي يشتغل على الشعور.

ويقول الرسام والناقد الفني بنيونس عميروش بشأن العمل الفني لعبدالحي الدمناتي “يسمح هذا الفنان لنفسه بتأسيس قواعد جديدة لمسائل الصورة والمُصوّر بوضعها ضمن البعد العاطفي، في خضم هذه التجربة، يولي مكانة حاسمة للإحساس، لماذا نتوقف أمام لوحاته؟ ما الذي يفتننا فيها؟ ما الذي يسحر ويدهش أعين المشاهد؟ كلها أسئلة تجيب عنها أعماله”.

ويواصل “لطخة لون أو تفصيل دقيق بالكاد نراه على اللوحة يدعو الرائي إلى تمييز هذا التفصيل الذي يصبح مرئيا وناطقا في نفس الوقت، هذا التفصيل الدقيق، أو هذا العنصر الذي يتوارى ويجذب الأنظار في نفس الوقت، قريب من الإرهاف والإحساس، بإمكانه أن يكون غير مرئي أيضا، لأنه يكمن في ميزة متمنعة عن الكلمات، مرتبطة بتوظيف الألوان في اللوحة”.

والجزء اللا مرئي لرسومات الدمناتي، أي الإحساس، يُجَلِّيه اللون، لأن تراكيبه لا تخاطب الذكاء فقط، بل يمكنها أن تحرك المشاعر أيضا، تكرار الأشكال يعطي للزخرفة كثافتها، التكرار يساهم في جعل المجموع الزخرفي موحدا ويقدم للناظر نقطا مرجعية وشيئا من التماثلية، كما يعطي الفرصة لانبثاق أحاسيس صوفية.

إنه واحد من الأساليب الأكثر تداولا والتي تهدف إلى إقناع العقل، بل إلى بث الحماس في الروح، وبلا شك، أعمال الفنان عبدالحي الدمناتي تقترح نوعا من الحوار مع المشاهد.

وتبادل النظر هذا، والذي ينشأ حينئذ بين المشاهد واللوحة يرتكز على المتعة المتناقضة التي تشبه الفاجعة التي يمكن الإحساس بها، لأنها حقيقية. وزيادة على ذلك، تزداد هذه المتعة كلما ازداد الشعور بالفاجعة الذي تسببه معاينة اللوحة عميقا.

وانطلاقا من هنا، يخلق عبدالحي الدمناتي اتصالا متناغما بين الألوان والقيم المجاورة مضيفا بهذه الطريقة بعض السلاسة على عملية الانتقال بينها، بحيث لا لون ولا قيمة يمكن لأحدهما أن يكون أعلى من الآخر ويسطر على هذا العالم الذي يحدده أسلوبه ونواياه. ومن هناك يشكل الدمناتي بلونه وشكله  التوهج الذي تحيل عليه اللوحات كصدى للبقع الأكثر وضوحا على الجانبين الأيسر والأيمن.

16