تشكيلية سورية تستعيد فن الرقش بالحروفيات

عالية النعيمي تستخدم الخط العربي كثيمة شكلية في طرح تشكيلات فنية بصرية تحاكي الرسم.
الجمعة 2018/03/23
ترانيم حروفية

دمشق - في فن الرقش تتشكل الألوان والخطوط، لتضفي على النفس البشرية الكثير من البهجة والسلام، حيث تتساوق الخطوط الهندسية مع رسومات النباتات (العجمي) في صيغ لونية متعدّدة، لتشكّل جميعها نوعا من هارموني متكامل من جماليات الفن العربي والإسلامي.

والرقش أو الزخرفة أو التزيين مصطلح لفن إسلامي، ذاع واشتهر من خلال الكثير من المبدعين الذين قدّموا خلال مئات السنوات من أفانينه، ما جعله فنا خالدا في تاريخ الفن الإنساني كاملا.

 

انتقل فن الرقش مع المسلمين للأندلس فعرفته أوروبا وغدا في إبداعاتهم نهجا فنيا واضحا، ورغم مرور فترات زمنية بعيدة على وجوده الأول، وامتداد ذلك عبر أجيال، ووجود فنون حداثوية كثيرة، لكنها جميعها لم تستطع أن تلغي هذا الفن النبيل، الذي ما زال بعض المبدعين متمسكين به ليقدّموا من خلاله رؤاهم الفنية المختلفة، وإحدى هؤلاء عالية النعيمي، الفنانة التي قدّمت في دمشق مؤخرا معرضها الذي ضمّ أربعين لوحة، في فن الرقش، حيث عرضت فيه عبر لوحاتها العديدة أمزجة فنية مختلفة

وفي المعرض الجديد لعالية النعيمي المعنون بـ"رقش" قدّمت الفنانة السورية لوحات فيها تشكيلات لونية، حملت هواجس وأفكار عمّا تريد قوله، وحظي هذا الجزء من المعرض بالمساحة العددية الأقل، بينما كان نصيب اللوحات التي قدّمت نمط الخط العربي أكبر وأغنى، حيث تعدّدت اللوحات التي تشكّلت من جمل مستوحاة من القرآن الكريم أو غيره.

وكان واضحا أن بعض هذه اللوحات ينحو نحو استغلال الخط العربي في ما وراء وظيفته في الكتابة الخطية، حيث أمكن استعماله مثل ثيمة شكلية في طرح تشكيلات فنية بصرية تحاكي الرسم.

و"الهدف هو العودة للجذور، تلبية لنداء الحنين”، هكذا تعبّر الفنانة النعيمي عمّا جال بخاطرها عندما أبدعت هذه اللوحات، وتقول في ذلك “العجمي، فن له خصوصيته، وهو في معرض الرقش، مزيج من فنون الخط والتشكيل والزخرفة".

وحاولت الفنانة السورية في معرضها تقديم جرعة من هذا الفن الذي تقول عنه “لم يكن يوما ماضويا، بل ما زال كامنا في جذورنا، يتماهى معنا بكل أصالة، لذلك تحن الناس إليه، وهو الفن الذي عاشوه في بعض بيوتهم الدمشقية العتيقة وغيرها، وأيضا في بعض البيوت الدينية، فن العجمي، هو جزء هام من تراثنا الذي اعتادت العين العربية على التعايش اليومي معه، لذلك هو باق في دواخلنا ويعود عبر بعض التجارب بين الفينة والأخرى”.

وعن وجود العديد من الأمزجة في شكل اللوحات وطريقة تنفيذها لونيّا، بينت النعيمي "عمدت إلى استعمال العديد من الألوان وكذلك الأشكال، فلونيّا هناك الأزرق الذي هو البحر والأفق، وكذلك حضر الأخضر لون المحبة والسلام، وركّزت على اللون البني الذي حظي بالمساحة اللونية الأكبر كونه لون الخشب الأساسي، ودعّمت ذلك بصيغة لونية ما، حيث أن إدخال هذا اللون البني بمادة الخشب مع تضافرها باللون الذهبي يعطي للوحة المشكّلة مكانة خاصة من حيث الرقي الفني العالي”.

عالية النعيمي: الرقش لم يكن يوما ماضويا، بل ما زال كامنا في جذورنا
عالية النعيمي: الرقش لم يكن يوما ماضويا، بل ما زال كامنا في جذورنا

وعن إمكانية استخدام الحرف العربي في إطار الفن كأداة فنية وليست خطية، تقول “للخط العربي كينونة ما، تجعله قادرا على التشكّل في وضعيات كثيرة، يمكنها أن تخرج به عن النطاق المألوف في كونه أداة للكتابة بالحبر على الورق، يمكن للخط أن يقوم بوظائف أخرى أبعد بكثير من هذه الصيغة، إذ يمكن للخط أن يكون أداة حقيقية في صنع تشكيلات فنية هامة في الرسم والتكوين البصري عامة، وتضاف إلى ذلك أبعاد أكبر مع صيغ التداخل اللوني، ليصبح الموضوع خامة فنية غنية يمكن الوصول من خلالها لفضاءات إبداعية موغلة في العمق”.

وعن بقاء هذا الطرح في زمن الكومبيوتر، تقول “لا شك أن التقنيات الحديثة قد قدّمت لنا الكثير من الحلول للعديد من المشكلات، بل وتدخّلت حتى في الفن، لكن هذا الفن لن يموت رغم وجود نظم التقنيات الحديثة والتعدّدية الكبيرة في أشكال الخط التي قدّمتها والسرعة في إنجاز العمل، لكن يبقى في فن الخط العربي التقليدي، وموضوع القصبة والحبر الذي يكتب به من الأمور الفنية الإبداعية التي لا يمكن مقاومة إغراء العمل بها، كونها تلامس في نفس المبدع شغفا نحو الجمال”.

والفنانة عالية النعيمي، رسامة وشاعرة سورية، ولدت في بغداد عام 1977، ودرست الفن التشكيلي في سوريا وتخرّجت من كلية الفنون الجميلة اختصاص تصوير زيتي، قدّمت العديد من المعارض المشتركة والفردية، منها “بواكير واعدة” و”دمشقيات”، كما قدّمت العديد من ورشات العمل في مجال تعليم فن العجمي بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية، وفي مجال الشعر شاركت في العديد من الفعاليات الشعرية المختلفة، كما نشرت خمسة إصدارات شعرية هي: “عازف الشجون” و”ترانيم قوس المطر” و”أوتار الجوى” و”رفيف الوجد” و”ندى النار”.

17