تشكيلية لبنانية تجعل من الفقد طينا وانزلاقات

الفنانة التشكيلية اللبنانية ناديا صفيّ الدين تقدم مجموعة جديدة من أعمالها تحت عنوان "امرأة في مجرى الزمن"، وهي أعمال تستلهم من التيار التعبيري أدواتها وثيماتها.
الجمعة 2018/05/11
ألوان تتشابك حد الانصهار

بيروت – لا يختلف معرض التشكيلية اللبنانية ناديا صفيّ الدين الذي تقيمه حاليا في “غاليري أجيال” البيروتي، والمعنون بـ”امرأة في مجرى الزمن” عن معارضها السابقة لا من حيث المضمون ولا من حيث الأسلوب، على الأقل ليس في عين المتلقي، غير أن ذلك لا يجعل أعمالها أكثر أو أقل أهمية بقدر ما يقدّمها كفنانة لا ترتوي من الدوران في فلكها الخاص، والخاص جدا.

وأول ما يدخل الزائر المعرض تستقبله رائحة الألوان الزيتية الطازجة التي راكمتها الفنانة على جميع اللوحات دون كلل أو ملل، وعلى الرغم من كون الأعمال أنجزت في العام 2017، إلاّ أنها تبدو وكأنها خرجت للتوّ من مرسمها، فأغلب الظن أنها تستخدم في لوحاتها كمية كبيرة من زيت بزر الكتان الذي شحن بدوره اللوحات بأكثر ممّا تتحمّل من الكثافة واللزوجة البطيئة الجريان في أوردة وجوه لنساء يختنقن في رمال من طين لا يتحرّك ولا هو يجفّ، فيتكسّر تاركا المجال للنسوة أن تتنفس الصعداء.

وينتمي عالم الفنانة ناديا صفيّ الدين وبشكل قاطع إلى التيار التعبيري الذي عرف مجده في ألمانيا بشكل عام وبرلين بشكل خاص في فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

وتخوض صفيّ الدين لوحتها كمن يخوض حربا ضارية ليس فيها أي منتصر إلاّ حسية الألوان كمادة تجنّدت لتتخطى كل خطوط الكثافة حتى الالتحام بتضخمات متفاوتة الأشكال والترويسات، عُجنت فيها الألوان كما تُعجن وتنطلق الحمم البركانية بمعيّة بقايا معادن وفتات صخور نجت من أهوال المصنع الجيولوجي، حيث تنطلق لوحاتها من التشخيص الذي ما يلبث أن ينوء تحت أحمال المادة اللونية لينصهر بها فيصيرها.

وأطلقت الفنانة عنوان “امرأة في مجرى الزمن” على معرضها الأخير، غير أن هذه المرأة تبدو -هذا إن بدت- رهينة زمن لا يتقدّم، بل هو منشغل بالإتحاد مع المكان، المكان الذي هو من ناحية المرأة التي “جسّدتها” صفيّ الدين والحيز الذي غاصت فيه دون أي رغبة أو رجاء في الخروج منه.

وتسكب الفنانة الألوان على لوحاتها بشراسة، غير مكترثة بغياب التفاصيل التي بها تتشكل الوجوه والأجساد، ممّا يجعل من تجربة النظر إلى لوحاتها تجربة أفقية، تجربة تصل كل اللوحات ببعضها البعض ولا تترك مجالا لأية لوحة أن تبرز على حساب أخرى.

وقدّمت ناديا صفيّ الدين أعمال سابقة لها تشبه هذه الأخيرة في أكثر من جانب وتحمل عناوين “موحّدة”، إذا جاز التعبير، في مضمونها، ومن تلك العناوين “تحية إلى الغياب” و”وجوه جائعة”، أما في معرضها الجديد هذا فقد استقبلت زائر المعرض العناوين التالية: ” المُنزعجة” و”امرأة تسبح في مجرى نهر” و”هروب”، لتبدو جميع  اللوحات حاملة لعناوين تشير بشكل أو بآخر إلى حالة الفقد والفقدان، غير أنها تنتصب أمام المُشاهد مُكتظة حتى الإشباع  بالرغم من “التحركات” والانعطافات التي تحاول أن تشقّ طريقها في حيثية اللوحة، وليس في فضاءها، إذ لا فضاء في لوحة الفنانة، فهل هذا ضرب من ضروب إظهار معنى الشيء بنقيضه؟ أو محاولة “تلقيمه” حتى التخمة كي يكتسب شكلا مرئيا لا لبس فيه؟

ومن خلال التجريد الجزئي الذي تعتمده ناديا صفيّ الدين في معظم لوحاتها تُصر الفنانة على الإستهتار بقدرة التضاد اللوني الذي يعطي للموجودات أشكالها، حيث تمنعه، أي تمنع التجريد الجزئي، أن يُطلق اللوحات فُرادى في انسياب شريط سردي/بصري يعطي الحق لكل لوحة أن تبوح بما يميّزها عن غيرها من اللوحات.

وتبدو الفنانة في لوحاتها وكأنها تحكم عالمها بحكم عسكري خارجه قوة وباطنه تفتت يريد أن يكون متماسكا، وما الطاقة المُحركة لتلك الأعمال إلاّ نابعة من مصهر سريّ يعمل وفق قوانينه الخاصة غير مراع لأصول التشكيل.

وإن حدث في لوحات صفيّ الدين أي خيال تشكيل لوجوه النساء أو لأجسادهنّ في مكان ما تحت غيض من فيض المادة المُلوَنة، إلاّ وانهالت عليهنّ بطبقات متتالية من الألوان وبجرأة، إن لم نقل فظاظة، وكأنهنّ في جلسة محاكمة قاسية تحتم عليهنّ الرضوخ إلى فكرة أن وجودهنّ لا يتحقق إلاّ من قلب صراعهنّ مع مادة خانقة ومؤسسة لشخصياتهنّ.

نقول نساء، ولكنها فعليا امرأة واحدة تستحم بجريان أفكارها هي، جغرافيتها هي وزمانها هي خارج المنطق العام للطبيعة، أما الجانب التجريدي في لوحاتها فليس أفضل حالا من الجانب التشكيلي، لأنه يبدو في أعمالها وكأنه ينطلق من واقع هو أكثر تجريدية منه. إذا، لا دفّة لسفينة الفنانة المُبحرة في أغوال أحوالها الشخصية، ولا مرساة غير تلك التي تنطلق منها وإليها في حركة لولبية/باطنية لا تعرف الهدوء من وراء جوّ التصلّب الذي توحي به لوحاتها.

ومن الواضح أن التشكيلية اللبنانية تقيم لوحتها كأشرعة غليظة العَضد، مُتنافرة الأوصال غير مبالية بكيف سيتلقى الناظر  في لوحاتها مشاهد انطلاق وهبوب الرياح الباطنية التي تتوالد في نفسها لتتفتّح في دوائر مُنتفخة وغير مُنتظمة، ولا هي عابئة بكيفية تلقي اللوحات/الأشرعة، التي تدير دفّة سفينتها الداخلية، خفقان تلك الرياح التي تعصف جاهدة بها، ومن الواضح أيضا أن لوحة الفنانة ناديا صفيّ الدين هي أولا وأخيرا لها، لها لوحدها.

17