تشكيلية مصرية تفوز بجائزة بينالي فلورنسا

تدافع التشكيلية المصرية نادية سري، الحاصلة أخيرا على جائزة ليوناردو دافنشي من بينالي فلورنسا بإيطاليا، عن عالم الأحلام في لوحاتها، مطالبة المُتمترسين حول المدرسة الواقعية بإعادة النظر بعد تطوّر فنون التصوير الإلكتروني، ومنتقدة أيضا المغالين في السوريالية الذين يفرغونها من مضمونها ويحوّلونها إلى نوع من الاستسهال الفني.
الجمعة 2018/02/02
كون أشبه بقوس قزح

القاهرة – تنقل لوحات الفنانة التشكيلية المصرية نادية سري متلقيها إلى عالم الأحلام بألوانها الدافئة الشبيهة بتخيلات البشر لعالم الجنيات في الأساطير وأفلام الخيال، لتبدو البحار الزرقاء في لوحاتها كأمواج من الزهور تتحرّك فيها مراكب مرمرية، وتتحوّل التنورة التقليدية إلى طوفان من التدرّجات اللونية شبيهة بتحويل الكون كله إلى قوس قزح.

نادية سري، تشكيلية مصرية ولدت بالقاهرة عام 1958 واسمها مُدرج بموسوعة “ذاكرة الفنون التشكيلية في مئة عام” الصادرة عن هيئة قصور الثقافة المصرية التي تضم أهم الفنانين المصريين، وحصلت على عدة جوائز محلية وعالمية، أهمها الجائزة الأولى لبينالي الإكوادور الخامس، والوسام الذهبي من بينالي بيرو الدولي، وجائزة الجدارة الفنية من بينالي فلورنسا بإيطاليا قبل أيام.

وتقول سري لـ”العرب”، إن فوزها بجائزة ليوناردو دافنشي للجدارة الفنية في بينالي فلورنسا الدولي للفن المعاصر الذي حضره 462 فنانا تشكيليا من 72 دولة، يؤكد تميّز المذهب الذي تعتنقه في التشكيل القائم على الجمع بين عدة مدارس فنية وعدم الانسياق وراء مدرسة بعينها، فالجائزة تحمل اسم “دافنشي” رائد عصر النهضة، وفلورنسا مدينة الفن الأولى في أوروبا ما يعطيها المزيد من الأهمية.

وتؤكد سري أنها تجمع بين مزايا معظم مدارس التشكيل في العمل الفني الواحد ولا تنساق وراء القواعد الحرفية لكل منها، لتمزج في لوحاتها بين التأثيرية والتعبيرية والرمزية والسوريالية في الوقت ذاته، معتبرة أن عالم الخيال الذي تعشقه يعالج تشوهات الواقع بمشكلاته ومساوئه، ويخلق نوعا من الأمل والتفاؤل بغد أفضل.

نادية سري، تشكيلية مصرية اسمها مدرج بموسوعة "ذاكرة الفنون التشكيلية في مئة عام"

إن “التأثيرية” تمكّن الفنان من نقل انطباعاته عمّا يشاهده بعيدا عن الدقّة والتفاصيل، و”السوريالية” تؤهله للتعبير عن الأفكار اللاشعورية والإيمان بالقدرة الهائلة للأحلام، بينما تتيح “التعبيرية” تصوير الانفعالات والأحاسيس الذاتية، أما “الرمزية” فتعطي الخطوط والألوان معاني خاصة مرتكزة على تصورات الحضارات القديمة كالفرعونية والرومانية والإغريقية.

وتعتبر نادية سري أن الفنان لا يجب أن يغالي في المذهب الذي يعتنقه، فبعض أتباع “المدرسة الواقعية” لا يزالون منغمسين في المناظر الطبيعية ويدافعون عن نقلها حرفيا باستماتة ومن حقهم التعبير عما يرونه، لكن بعض لوحاتهم أصبحت بلا روح لتشبه الفوتوغرافيا، والأمر ذاته ينطبق على المغالين في السوريالية الذين ينتجون أعمالا يظهر فيها الاستسهال وعدم بذل المجهود وغياب الفكرة، بحجة التجريد.

وترى أن المحرك الرئيسي للفن هو الإحساس، رافضة ما أسمته بمبدأ “الرسم عند الطلب” الذي يجبر الفنانين على رسم لوحات في توقيتات معينة لتتماشى مع عناوين المعارض، فالمحرك الرئيسي هو الشعور الداخلي القوي الذي يدفع الفنان للإلحاح الذي يحرّك الفكرة في عقله لينقلها إلى اللوحة.

وتعتمد التشكيلية المصرية على سلسلة من الألوان القوية التي يغلب عليها الأحمر، ليبدو أحدها في دائرة الضوء ثم يتوزّع الباقي على الجانبين، لتكوّن جميعها نوعا من التضارب اللوني الذي تقول إنه يرسّخ الفكرة التي تحاول إيصالها إلى الجمهور، وكلما كان اللون زاهيا ودافئا كلما كان أكثر كفاءة في جذب أنظار المتلقي وخلق حالة من الراحة النفسية داخله تؤهله لتلقي رسالة اللوحة.

وتبدو بعض لوحات سري، شبيهة بأعمال الفنان الإسباني سلفادور دالي رائد ما يسمّى بـ”الفانتازيا المسرحيّة في الفن التشكيلي”، حيث تسعى الفنانة إلى ترويض اللاشعور عنوة لتجعله المحرّك في اللوحات، فالفن عندها ما هو إلاّ شعور وإحساس يُلحّ على الفنان، ولا يهدأ إلاّ بتفريعه بالرسم.

وتعترف سري، بأن مذهبها الخاص ينتج لوحات لا تصلح للتسويق أو البيع لغرض تزيين المنازل أو المكاتب، لكنها لا تبالي، فالتشكيل عندها ليس مناظر جمالية تُعلق على الحوائط، وربما الهواتف المحمولة ذات الكاميرات عالية الجودة وفنون “الديجتال آرت” تكون الأفضل لذلك، لكن الفن الحقيقي فكرة وروح ينقلهما الفنان إلى الورق والقماش ويحتاج إنجاز ذلك إلى مُتذوّق خاص.

ورغم تمسكها بالدفاع عن الشعور والخيال، إلاّ أنها في الوقت ذاته تنتج أعمالا مُناسباتية معظمها يتعلّق بالأحداث السياسية التي تشهدها مصر، كلوحة “أم البطل” التي تقول إنها تحارب الإرهاب، وتتضمّن أما تستحضر روح ابنها الشهيد من صورته على الحائط ليحضر معها مقبّلا يديها.

وتضم بعض المتاحف مقتنيات لنادية سري، منها متحف الفن الحديث بالقصر الثقافي الإكوادوري بأميركا الجنوبية، ومركز أرمانو للفنون بالبرازيل وغيرها، وترى أن وجود لوحاتها هناك بديلا محترما عن صالونات المنازل ومداخل الغرف بالبيوت.

17