تشكيليون عرب يتحدثون عن عمر مالفا رائد الحداثة اللونية

تميز الفنان العالمي عمر حمدي، مالفا، الكردي- السوري، الذي غادر الدنيا منذ أيام، بإبداعه المبكر، ولفت إليه منذ معرضه الأول، عيون الفنانين التشكيليين الكبار، ونقاد الفن والحركة الفنية في سوريا. “العرب” سجلت عبر عواصم العالم شهادات لعدد من أصدقاء ورفاق درب مالفا الفنان الذي ترك بصمة متألقة في خارطة التشكيل العالمي، بعد خمسين سنة من التفرّغ للفن، وهو يحمل في داخله قصّة شعب، وقصّة بحث عن سر اللون وقدسيّة التفاصيل، في زمن يحكمه النفاق بدلا من العدالة، وكان التشكيل لديه أكثر من صناعة لوحة، وأكثر من ترجمة لون، إنه انتماء ومسؤولية ومصير وإدانة، والمساحة التي قدم فيها كل ما في داخله.
الجمعة 2015/10/30
أعمال الراحل بحث دائم في سر اللون وقدسية التفاصيل

ولد الفنان الكردي- السوري الراحل عمر حمدي، مالفا، في قرية تل نايف بمحافظة الحسكة السورية عام 1951، وهو ينتمي إلى جيل السبعينات (المرحلة الذهبية في تاريخ الفن التشكيليّ السوريّ) ويصنفه النقاد اليوم كواحد من أهمّ الملونين في هذا العصر، وأهم اسم في تاريخ المدرسة الانطباعية المعاصرة، ويعتبر خامس فنان تشكيلي على مستوى العالم، وهو العربي الوحيد المسجل اسمه في الموسوعة الفنية العالمية.

حمل مالفا معه في حله وترحاله تجربته المكافحة الشاقة، ومحبة بلاده وطبيعتها، وسكب روح تحرره ورهافته ونبوغه كله، في لوحات الطبيعة، التي اقتنتها أهم المتاحف العالمية وصالات الفن فيها.. وسيظل عمر حمدي معلما وفنانا رائدا من رواد الحركة الفنية السورية والعربية والعالمية الكبار واللافتين في عصرنا. “العرب” سجلت شهادات لعدد من أصدقاء ومُجايلي الفنان الراحل عمر حمدي الشهير بمالفا، والمقيمين في أكثر من عاصمة عالميّة، ومع ذلك لم ينسوا يوما إبداعه المتجاوز لحدود المكان والزمان.

بداية حديثنا عن الفنان الراحل كانت مع صديقه الكاتب والقارئ التشكيلي السوري غريب ملّا زلال، الذي قال لـ”العرب”: رحل عمر حمدي، مالفا، ولكن حصانه مازال يصهل في الميدان… ترجل سفير اللون بقوسه وقزحه دون أيّ ضجيج، ترجل مالفا الذي أبى إلاّ أن يقول كلمته، وإن صمتا، بأن عالمنا لم يعد يكفيه، ولهذا حمل ريشته وألوانه وقماشه الأبيض إلى عالم آخر قد يجد ضالته فيه أكثر”.

سارد محكوم بالجمالية

بحسرة يواصل غريب ملّا زلال حديثه: “نعم، ترجل مالفا، ولكن حصانه مازال يصهل وإن بحزن على صاحبه، ترجل مالفا وترك لنا إرثا يمتدّ في التاريخ كنوزا لا تقدر بثمن، فقد ترك لنا أعمالا كانت وستكون حتى في الغد البعيد علامة من شأنها أن ترفع من ثروة شرقنا الجميل، فمالفا استطاع عبر عمره الممتد على ستة عقود، أكثر من نصفها قضاها في الاغتراب”.

ويضيف الكاتب السوري “أقول استطاع أن يحجز لنفسه حيزا جميلا من المكان والزمان، حيث كرس حياته عنوانا للخوض في إنتاج ما هو جميل من أعمال فنية باتت توقفنا بهمة الظامئ للحياة، كما أوقفت الغربيين مطولا ليس بوصفه رقما فنيا، بل بوصفه خالقا للجمال بأساليب جعلت لريشته الإيقاع الخاص الذي سيغني على وقعه التشكيل الغربي أيضا”.

مالفا العربي الوحيد المسجل اسمه في الموسوعة الفنية العالمية

مالفا ما إن حط به الرحال ضمن مغامرته الشاقة في الوصول حتى ترافق ذلك مع مغامرة الانخراط في سياق عمليات لم تكن متاحة لأمثاله، بل كان عليه خلق مقاربة محكومة مسبقا بالضباب الكثيف، مع الإشارة البدئية بأن عملية البحث لديه كانت تندرج ضمن مغامرته في عدم الانزلاق في المجاهيل، بل رفد تراكمه المعرفي بشيء من ارتياد الأقاصي بكثافة تأملية وضمن سوية قيمية عالية تدفعه في ما بعد إلى حيز انتشاري سيشغله حتى الأفق الأخير بثقة الباحث، السارد المحكوم بالقيم الفنية الجمالية.

والمهم حسب غريب ملّا زلال قدرة مالفا الفائقة على إقناع متلقيه بمصداقية ما ينتج، وذلك عبر رميه بين مفردات عمله وتفاصيله بغلبة الصوت المتعدد على الصوت الواحد. ويختم زلال “رحل مالفا، لكننا سنبقى نسمع ونستمع إلى صهيل حصانه لزمن بعيد”.

ناي ورغيف خبز

في حوار معه قبل سنوات يقول الراحل عمر حمدي ابن الجزيرة السورية حول ما إذا كان اسم مالفا هو مجرد توقيع يرادف اسم عمر حمدي على أعماله الفنية “مالفا هو اسم لوردة الختمية، وكنت أطلقته على مجموعة لوحات لي في أوائل ستينات القرن الماضي، تلك المجموعة التي رميتها في بئر كانت تتوسط “حوش” منزلنا، وذلك خوفا من غضب الوالد. ثم تحوّل مالفا إلى اسم لامرأة، أو لطفلة، كان نايا ورغيف خبز، لكن الغرب يفكر بطريقة أخرى، ومن أجل أن لا نساوم على الأشياء الصغيرة، كان مطلوبا مني تأجيل اسم عمر حمدي فيّ إلى فترة ما، فكان مالفا البديل”.

ويكتب الفنان والناقد التشكيلي طلال معلّا، عن فارس اللون العالمي ابن البلد الذي ترجل بعد أن بلغ ما بلغه من شهرة عالمية، كشخص قادم من بيئة كردية قاسية شبه معدمة، ماديا وثقافيا وفنيا “مضى عمر حمدي، مالفا، إلى تلك المتاهة الأعظم بعد أن انطفأ آخر لون كان دليله للحياة، باعتباره أفقا رحبا لخرائطه التي تحرض الانتباه إلى أن اللون مادة تفكير ومنهج بناء شبكات مفاهيمية تمزج الطبيعة بما هو فوقها في الإبداع والفن، كما تمزج الحقيقة بأصدائها الموقفية في فسحة التأمل والفرجة والتلقي، وحيث المعايشة الوجدانية للألم الذاتي الصادم في علاقة الإنسان بالإنسان، وفقا لجماليات تعبيرية تجعل من الاتساع الدلالي لألوانه مجالا لتأويلات الباحثين والنقاد”.

من أقوال عمر حمدي مالفا
قالت لي أمي يوم كبرت، إنني ولدت في آخر الليل، في الشتاء، في بيت من طين، سقفه من خشب، في قرية صغيرة، أسمها “تل نايف”، الواقعة في الشمال من مدينة الحسكة، في أقصى الشمال السوري. كانت الغرفة مقسمة إلى جزأين: قسم للنوم، وآخر للغنم. لم يكن والدي موجودا، كان بعيدا، قالوا لي بأنه في الجيش، لم أعرف لماذا.. كان جدك “حمدي”، وجدتك “يازي” معي، كنت سعيدة بك، كنت وسيما مثلما الآن.

كانت أول رواية أقرأها “الأم” لمكسيم غوركي، ثم قرأها والدي، وأعجب بالكتاب. ثم حاول كثيرا جمع الروايات الروسية المترجمة، التي كانت توزع بالمجان آنذاك. وعن طريق والدي، قرأت “أرض الأم”، لأنطوان تشيخوف، ورسمت مجموعة مالفا، اسم الوردة التي ذكرت في الكتاب، ثم رميت بهذه المجموعة في البئر، خوفا من الوالد.

المعاصرة ليست فقط زجاجة أو شاشة أو أرقاما، فهذه لغة غربية مادية نحن نعمل فيها ونقبلها لأن العالم وصل إلى هذه الحالة ولا يمكن أن يتراجع عنها، لكننا إذا أردنا أن نقدم أنفسنا يجب أن نتوخى الصدق ولا نزيف علاقتنا بالفن، فأكثر الفنون بساطة وفطرية هي أكثر الفنون معاصرة في العالم، والمعاصرة ليست تجريدا وليست أن نضع بعض القطع على الأرض لنقول إن هذا عمل فني، المعاصرة بكل بساطة أن يقدم الفنان حالته الفنية التي تمثله وتعبر عنه.

أرسم الوجه من حين إلى آخر وهو واقعي، أو تعبيري، لا يهم، لأن الوجه حوار ولأنه قديم وجديد، إنه انتمائي. وهو الوطن الذي أنتمي إليه، هو الصمت المملوء بالحوار والتجربة، يستوقفك بهدوء يتأملك، ويستمرّ معك بأن تكون وتظل إنسانا.

لا شيء ينتهي، كذلك اللون، هذا السر الأبدي للحياة، سرّ لا يمكن الوصول إليه دون أن تمنحه كل ما عندك… وأبعد من ذلك أمام هذا الضياع الكبير وتلك المرحلة المعقدة في حياتي، كنت وحيدا مثل اليوم… أعشق الطبيعة لأنها الحياة، والتفاصيل واللون والمعجزة والأساس لكل التطورات التي حصلت في تاريخ الفنون الإنسانية.‏

خمسون سنة وأنا لا أزال هذا المتأمّل الفاحش بصمت لجسد الإنسان والشجر والصخر، أكتب رسائلي إلى ساحات القتل وأقبية الاستبداد.

ويضيف معلّا “بغياب مالفا أحد وجوه الحداثة في التشكيل السوري تتضح أكثر حدود تأويل مستقبل هذا المحمل التعبيري، نظرا للكثافة البصرية التي كانت تشكلها أعماله ومعارضه على المستوى العالمي، فهو من القلة الذين حققوا التوازن بين النصوص البصرية والأداء الأسلوبي المتميز والقابلية المفتوحة على تأويل مفرداتهما لاستكشاف لغة تندرج في اعتبار البحث والاجتهاد، مادتين أساسيتين لتناسج المنظور مع الخفي”.

قوس قزح أبدي

يقول صديق مالفا رسام الكاريكاتير علي فرزات، عن غيابه الأخير: سأحدثكم عن عمر حمدي، هو مالفا… هو الفن والفنان معا، هو صديقي في رحلة الشقاء والفن والعذاب والفرح منذ أول خطوة في مشوارنا الفني بدمشق مرورا بمنفانا، لقد صعد من فيينا مع ألوانه وفرشاته إلى السماء ورسم عليها قوس قزح أبدي! يا أخي وصديقي عمر… رحلت جسدا تحت جناح رحمة الله، لكنك بقيت معنا روحا تتجول بين حقول الألوان والحياة!

ويتحدث الفنان التشكيلي الشاب هادي قاصوص لـ”العرب” عن دور ومكانة الفنان الرائد مالفا الذي لم يعرفه إلاّ من خلال إرثه الفني العظيم، فيقول: عمر حمدي الفنان القدير النبيل ابن سوريا أعتز به كما أعتز بجميع الرواد من قبله ومن بعده. ورغم عدم معرفتي به شخصيا إلاّ أن أعماله تدل عن ذاته مثل أي فنان سوري قدير.

وعمر حمدي قضى حياته فنانا ملتزما بقضايا شعوب الوطن والأمة والإنسان في المجتمع السوري خاصة والمجتمعات الأخرى عامة، حيث صور كل ما هو مرتبط بمجتمعه وبلده.

ويتابع قاصوص حديثه لـ”العرب” قائلا “طبعا من خلال تجاربه الفنية ووجوده بين سوريا وأوروبا واستقراره بفيينا، ومواكبته للحركة الفنية الحديثة هناك فإنه لم يغب عن فنه تراث الوطن وحضارته، بل بقي دائما يرسم واقعه بكل تفاصيله. وهو من رسم خارطة الطريق للفن السوري الحديث، حيث كان له العديد من المعارض بأهم غاليريهات أوروبا وهذا فخر لي ولكل فنان سوري.

وشدّد قاصوص على أنه رغم تجربة مالفا في أوروبا فالمشاهد يلاحظ مخزونه الفني بالألوان والانطباع والتعبير الجميل. ويقول “حين يذكر اسم هذا العملاق مالفا دائما يذهب بي الخيال إلى إنسان مسكون بالفن والانتماء وحب الوطن والإنسان”.

عمر حمدي مالفا الفنان الممزوج بألوان الشرق الجميل، كان تعبيره الأساسي على سطح لوحته، وبقية اللوحة كانت دائما تحمل خطابا ومفاهيم حضارية وثقافية وإنسانية.

شهقة لون متهاطلة

من العاصمة السويدية ستوكهولم يتحدث الأديب والفنان التشكيلي صبري يوسف مع مالفا وعنه، فيقول “عمر حمدي يا ابن الشّمال السّوري، أيّها الكردي المكتنز بحبق الحنطة، ياعابر مروج الألوان على أجنحة القطا البرّي، يا سليل قرى الطّين المجدولة فوق مرتفعات “تل نايف” مسقط رأسك يا مالفا، يا لونا ناضحا بشهوة الاشتعال، أيُّها المحلّق فوق سديم الغمام، يا حامل ريشة مبلّلة ببسمة الحياة، يا هاجسا مزروعا في عطش الروح التوّاقة إلى زخّات المطر، يا جرحا مفتوحا على أفانين غربة الرّوح، يا صديق العصافير المبلّلة بأوجاع القصيدة، يا نورس اللّون المهاجر إلى دنيا ممراحة على أرخبيلات العطاء، كم من الألوان عانقت روحك في صباح محبوك بإشراقة الروح العطشى إلى عنب الشّمال، أيها المتعانق مع انبعاثات خيال معرّش بالجراح، يا صديق فقراء هذا العالم”.

طلال معلا: مالفا حقق التوازن بين النصوص البصرية والأسلوب وقابلية تأويل مفرداته

ويتابع يوسف “عمر حمدي لون معجون بتجلّيات الرّوح الشّامخة فوق صفاء الحلم المنساب فوق خميلة الصّباح، لون معتّق بنبيذ منعش لخفقة الُّروح الجّانحة نحو أقاصي مرامي الطُّموح، رسم حمدي روحه المشتعلة فوق بوّابات المدائن، رسم الأغنام السّارحة في مرافئ الذّاكرة البعيدة، رسم ألوان الهواجس المندلقة من خميرة العشق المنشطرة على حافات الانكسار، عمر حمدي لغةُ عشق مفتوحة على مروج الدُّنيا، لغةُ مهاجر معرّش الجّناحين في لبّ الحضارة، حضارة لون مبرعمة في مآقيه منذ أن وُلد تحت سقف مرصرص بأوجاع الحياة، تحت سقف من طين الشّمال، حيثُ خفقة الرّوح تتلظّى شوقا إلى زخّات المطر عبر تدفُّقات مهجة الألوان”.

وبنفس الشاعريّة يواصل يوسف: “عمر حمدي شهقة لون متهاطلة من حنين السّماء فوق آهات المدائن وقرى الشّمال، عمر حمدي حكاية ألف سؤال وسؤال، بحثا عن أبجديّات القصيدة المجدولة عبر حبق الألوان، عمر حمدي فنّان معتّق بآهات غربة الإنسان مع أخيه الإنسان، شوق لونيّ إلى شلّالات حلم يتأجّج عطاء ليل نهار، شوق مفتوح إلى عناق كائناته المهشّمة على قارعة الروح، شوق إلى عناق حبيبة تائهة في مهبّ الانشطار، وجع مبرّح في سماء الحلق ينمو، وجع في خميلة الذاكرة يحبو، وجع في منعرجات الألوان يزداد صفاء، وجع لم يفارق مخيال مالفا على مدى هدهدات الحنين، لون محبوك بعناق الرّوح في دنيا من شقاء، لون مفهرس بزغب العصافير الهائمة في عبور منارة الحلم السّاطع في رحاب الذّاكرة”.

ويختم يوسف “عمر حمدي ذاكرة محبوكة بانبعاث حبور الجمال، ذاكرة مزدانة بأزاهير عبّاد الشّمس، لون الشّمّام المبلّل فوق عذوبة الألوان كأنّه زخّات مطر متهاطل من شهوة الحياة في صباح مندّى بنسيم المحبّة، لغة محفوفة بالأغاني الصّادحة في أعماق البراري، يشبه دموع الأمّهات المنسابة من مآقي الحنين، يشبه قبلة العشّاق في صباح العيد، يرسم بوحه من لجين الروح كأنّه في حالة عناق مع فراديس النّعيم، يرسم أحلامه المتلاطمة كأمواج البحار فوق هضاب البلاد المشنوقة من خاصراتها في وضح النّهار، يرسم حالات عشق من نكهة الانبهار”.

17