تشكيليون مصريون: اللوحة لم تفقد تأثيرها في زمن ملتبس

يؤمن الفنانون التشكيليون في مصر بأن كل صورة لضحايا العنف والإرهاب يجب أن يقابلها رسم بالزيت يدعو إلى التسامح، ويعتقدون أن الدم الذي يراق في الشوارع يمكن أن يمحوه لون أبيض لحمامة تزيّن لوحة، ويؤكدون أن للريشة التي لا يتجاوز وزنها 10 غرامات تأثيرا معنويا مساويا لحزام ناسف، ويصرّون على أن التطرف “رمز الموت” لن يقضي عليه إلا شعار “الفن هو الحياة”.
الجمعة 2017/04/28
العنف يموت ويبقى الفن

الإرهاب يكره الفن ويحاربه لأنه يخشاه، وأكثر ما يخيف الإرهابي صورة لطفل يضحك، كما أنه يغضب جدا من ابتسامة شهيد، ولا يعشق من الألوان سوى الأسود والأحمر، إذ الأول هو رمز القلوب المتحجرة والثاني لون الدم الذي تقتات على إراقته التنظيمات الإرهابية.

وخلال الأيام الماضية شهدت مصر العديد من المعارض التي تضمنت أعمالا فنية تهدف إلى مواجهة الإرهاب والتطرف، كمعرض “أصل الحياة” الذي شاركت فيه 16 فنانة تشكيلية وتضمن لوحات تجريدية وواقعية تعالج المنبع الرئيسي للفكر المتطرف، مثل الفقر والبطالة وغياب الثقافة وانتشار الجهل. وقال تشكيليون مصريون لـ”العرب” إن “العنف يموت ويبقى الفن”.

ويضربون مثلا لوحة الإسباني فرانشيسكو دي غوي “الإعدام رميا بالرصاص”، التي انتقدت إعدام نابليون بونابرت كل من وقف في طريق احتلاله لإسبانيا، وما زالت اللوحة معروضة بمتحف “ديبرادو” في مدريد موثقة لجرائم القائد الفرنسي رغم مرور نحو مئتي عام على وفاته.

وأيضا لوحة الفنان الإسباني الشهير بابلو بيكاسو”غورينيكا” التي صورت قصف مدينة “غورينيكا” من قبل الطائرات الألمانية والإيطالية عام 1937، وأصبحت معلما مهما للتذكير بمآسي الحروب، وكذلك الفنان الروسي فاسيلي في لوحته “أنا طائر في السماء” التي عبّرت عن ضحايا العنف وعرضت الفنان لعقوبة الخيانة والاتهام بالتآمر مع الأعداء.

تغريد يوسف: الفن التشكيلي ألد أعداء الإرهاب لقدرته على شرح الفكر الهدام وانتقاده

وقالت الفنانة تغريد يوسف إن الفن التشكيلي يتعاطى مع أي تغيرات يشهدها المجتمع، ويشكل وجدان الشعوب تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، حتى أن العديد من الأنظمة السياسية استخدمته في وقت الحروب للتعبئة وحشد الجماهير.

وأضافت لـ”العرب”، أن الفن التشكيلي هو ألدّ أعداء التطرف والإرهاب لقدرته على شرح الفكر الهدام وانتقاده، فهو فن ينبع من نفسية سوية وعقلية مبدعة ولا يجتمع الإبداع والتعصب أبدا، كما أن لديه قدرة كبيرة على التواصل وتوجيه الرسائل النفسية الإيجابية، ومواجهة من يُحرّمون الفنون ويعلمون الشباب التعصب الديني.

وأصبح العلاج بالفن التشكيلي أحد وسائل الأطباء النفسيين لإعادة التوازن للمرضى، كاستخدام مجسمات فنية لحفظ الأدوية، واستخدام وسائل التعبير الفني وتوظيفها بأسلوب منظم لتحقيق أغراض تشخيصية وعلاجية في أنشطة فردية أو جماعية حرة أو مقيدة للمرضى وفقا لأهداف خطة العلاج ومراحلها.

ومع ذلك، تظل المشكلة التي تواجه الفن التشكيلي متمثلة في هجوم الدخلاء الذين لا يمتلكون رؤية أو رسومات واضحة عليه ويستمرون في الرسم بحكم المجاملات، ولا شك في أن أعمال هؤلاء المحسوبين على الفن التشكيلي تضرّ بالفن ورسالته أكثر مما تفيد.

وطالبت يوسف بعودة حصص الموسيقي والرسم إلى مناهج التعليم الأساسية بمصر، لأن عدم الاهتمام بها أدى إلى إفراز أجيال خاوية من التذوّق ومن ثم يسهل استقطابها من قبل المتعصّبين.

ويرى التشكيليون أن غياب الأنشطة الترفيهية من ثقافة وفنون له دور في ميل الشباب نحو الإرهاب، لأن تلك الأنشطة تشغل فراغهم وتخرج طاقاتهم التي يمكن أن تظهر في الفن بدلا من العنف، فرسم لوحة يزيد إحساس الإنسان بذاته ويعلي صفاءه الروحي ويخلصه من شحنات الغضب داخله.

وأكد الفنان التشكيلي والباحث الأكاديمي فريد فاضل لـ”العرب” أن أي لوحة للفن التشكيلي يمكن أن تكون وسيلة غير مباشرة لمواجهة الإرهاب، فالتطرف ينجم في المقام الأول عن افتقار الحس الجمالي وعن الكراهية والحقد على المجتمع، ودور الفن التشكيلي هو بناء إنسان سوي ومتعلم وقادر على تذوّق الجمال في الكون.

ويمكن للفن التشكيلي أن يقوم بأدوار معادلة تماما للتنمية البشرية بطرح الخبرات الحياتية المؤلمة واستبدالها بخبرات مثمرة ذات قيمة، وتحريك المواطن من حالة الشعور بالانعزال والعدوانية والتمركز حول الذات إلى الرغبة في التعلم والإقبال على الحياة واستمرارها.

العلاج بالفن التشكيلي أصبح أحد وسائل الأطباء النفسيين لإعادة التوازن للمرضى، كاستخدام مجسمات فنية لحفظ الأدوية، واستخدام وسائل التعبير الفني وتوظيفها بأسلوب منظم

ويقول فاضل “عندما تعبّر اللوحات عن سعادة أسرة فقيرة رغم ظروفها الاقتصادية، وحينما تعلي من قيم التعايش بين الجماهير بعيدا عن حساسية الديانات والأعراق، وتعظّم قيمة العمل أيا كان طالما أنه شريف، فإنها بذلك تكون قد ساهمت في القضاء على الإرهاب من المنبع”.

ويشير إلى أن تعليم النشء ومعايشتهم للجهد المبذول لإخراج لوحة جميلة يغرسان فيهم فكرة أن الإبداع يحتاج وقتا وجهدا عكس التدمير، فحزام ناسف واحد قد يدمر ما تمّ بناؤه على مدار قرون في لحظات معدودة.

ويقول الفنان التشكيلي أحمد الطباخ إن التشكيل طوال تاريخه يحارب الإرهاب والتطرف، لكن المشكلة التي تواجهه هي عدم اقتناع جميع المؤسسات بدور الفنان، وبأن هذا الدور مكمل للمسجد والكنيسة.

ويشدّد “يجب على الفن التشكيلي أن ينزل إلى الشارع ليواجه كل المشكلات السياسية كالإرهاب والفوضى التي يعاني منها الإنسان المصري، وعدم الاكتفاء بعرضه في القاعات المغلقة، فمعارض النخبة أشبه بـ”مولد ينفض” بعد افتتاحه ولا يصل إلا إلى شرائح ضيقة للغاية”.

17