تشكيليون يبحثون عن الجمال وراء الملامح المطموسة

لا تزال لوحات التشكيل النوبية محافظة على عناصرها الرئيسية رغم التغيرات التي عاشها النوبيون بمصر على مدار تاريخهم. تنقّب عن سحر الجمال بين القباب الطينية البيضاء ودرجات الأزرق المتباينة بالسماء ونوافذ المنازل، مع أحمر قاتم يفضّله النوبيون كثيرًا في منسوجاتهم وأغطية رؤوس الفتيات التقليدية.
الأحد 2018/01/14
تم رسم هذه اللوحة وغيرها من لوحات المعرض بتكليف من هيئات ثقافية رسمية

تجمع لوحات التشكيل النوبية خصائص مشتركة، ألوان زاهية متداخلة. منازل بيضاء أغلبها ذات قباب. وجوه تذوب تفاصيل ملامحها مع الكيان الكلي للوحة، فالفنان النوبي الذي لا تسيطر على عقله قضية العودة إلى أرض الأجداد التي تم تهجيرهم منها قبل 57 عامًا إبان بناء السد العالي لا يزال منشغلاً بنمط حياة النوبة القديمة والباقي منها أكثر من وجوه قاطنيها.

ومرّ النوبيون بأكثر من رحلة هجرة طوال تاريخهم أولها مع بناء خزان أسوان عام 1902 الذي ارتفع معه منسوب المياه خلف الخزان ليُغرق عشر قرى نوبية، ثم تعلية الخزان بعدها بعشر سنوات لتغرق 8 قرى أخرى، لكن كان بناء السد العالي عام 1960 الحدث الأكبر الذي رحل معه غالبية النوبيين إلى أسوان التي تبعد 1200 كيلومتر عن القاهرة.

ألوان متعددة

يقول محمد الجنوبي، فنان تشكيلي من أسوان، إن الفن التشكيلي النوبي يتفرّد عن باقي الفنون التشكيلية في استخدامه حزمة ألوان تعبّر عن التراث العريق والحضارة القديمة التي ينحدرون منها، فالفن النوبي يمكن توصيفه بأنه توثيق تاريخي بالرسم للحفاظ على ميراث قديم يجاهد النوبيون للحفاظ على ما تبقّى منه.

ولأهالي النوبة عشق للألوان تسرّب تلقائيا إلى التشكيليين الذين عبّروا عنها، فلا توجد لوحة تخلو من الأحمر القاتم الأحمر أو الأبيض والأزرق اللذين ارتبطا بالسماء الزرقاء ومياه النيل، وهي التي اتسمت بها بيئة النوبيين الأصلية والتي نقلوا معالمها معهم إلى الأماكن الجديدة التي قطنوها بأسوان.

ويضيف، لـ”العرب”، أن الفن التشكيلي النوبي حافظ على معظم ملامحه رغم هجرة النوبيين إلى محافظات الصعيد المجاورة التي تتسم بتركيبة سكانية خاصة، إذ تضمّ ذوي الأصول القبلية العربية والسكان الأصليين بجانب النوبيين الذين يحافظ غالبيتهم على تراثهم، سواء في ما يتعلق ببناء المساكن أو الأزياء.

واعتمد فن البناء عند النوبيين على الطوب اللبن المصنوع من الطميّ أو الطيني المحروق في تشييد مبانيهم ذات القباب والأقواس التي تتسم بفتحات صغيرة وضيقة، لحجب أشعة الشمس والسماح بالتهوية والإضاءة والحفاظ على حرارة المنزل صيفًا وشتاءً.

اللوحات النوبية لا يمكن عزلها عن اتجاهات الفن التشكيلي لجنوب مصر بوجه عام من الملامح الداكنة أو البنية المحروقة للبشرة لمعظم الجنوبيين

ورغم عناصر التشابه التي تجمع بين اللوحات المعبّرة عن صعيد مصر واللوحات النوبية، إلا أن الأولى تتسم بالتركيز على الوجوه الخشنة والطبيعة القاسية للحياة، بينما تتصف معظم اللوحات النوبية بطمس أوجه البشر ليظهروا كجزء من مزيج المكان وطبيعة البيئة.

ويعزو الجنوبي طمس الوجوه إلى الجيل الأول من روّاد التشكيل الذين تناولوا النوبة والذين غلب عليهم الرسم التوضيحي، إذ صبّوا جلّ اهتمامهم على الفكرة أكثر من الشخص، كما أنّ كثيرا منهم رسم لوحات عن النوبة بإيعاز رسمي من السلطة حينها لتوثيق حياة النوبيين قبل بناء السد العالي وبعده.

وتمّ رسم أشهر اللوحات النوبية بتكليف من وزارة الثقافة المصرية في فترة الستينات من القرن الماضي، كلوحات “قرية نوبية” و”سيمفونية النوبة” و”الكركديه” و”مركب فى النوبة” و”البخور في النوبة” و”فتاة من النوبة” و”طقوس الزواج فى النوبة”.

وتعتبر لوحة “فرحة النوبة” للفنانة الراحلة تحية حليم أغلى وأشهر لوحة نوبية، إذ بيعت في مزاد لفنون الشرق الأوسط المعاصرة بدبيّ عام 2015 بنحو 749 ألف دولار ورسمتها بتكليف من وزارة الثقافة المصرية أيضًا، للتعبير عن “فرحة النوبة” بالرئيس جمال عبدالناصر وبناء السد العالي.

طقوس الحياة

لا تزال اتجاهات وصف المكان وطقوس الحياة والعرائس وحفلات الحناء هي الاتجاه الغالب في تجسيد النوبة دون التعبير عن ملامح الشخوص أنفسهم، وتتسم البعض من تلك اللوحات بالفقر الفني ولا تتعدى رسومات بسيطة بألوان زاهية بصورة مبالغ فيها في بعض الأحيان.

ويقول عبدالفتاح البدري، فنان تشكيلي من أسوان، إن العمامات عنصر هام لكل التشكيليين الذين يتناولون جنوب مصر لا سيما لوحات النوبة، فيمكن اعتبارها مصابيح بيضاء ناصعة تعطيها ضوءًا، خصوصا في اللوحات ذات المسقط الرأسي التي يرسمها الفنان كما لو كان مستقلاً طائرة، وينقل ما يراه من نوافذها.

ويعتبر الفنان التشكيلي الراحل حسن بيكار رائد مدرسة طمس الوجوه في التعبير عن النوبة، إذ تناول في لوحاته الحياة النوبية ولم تظهر في أي منها ملامح الوجوه بل عبّرت كلها عن معاني الحب والسلام، وكان البشر عنده مجرد وسيلة لتوصيل الفكرة وليس غايتها. ويضيف البدري، لـ”العرب”، أن اللوحات النوبية تركز على ثلاثة عناصر رئيسية هي الحركة واللون والتكوين، والتي يتم التعبير عنها كثيراً بحفلات الرقص والعرس والحناء وتشكيلة ألوان زاهية صريحة خصوصًا الأحمر والأصفر والأزرق، مع الحفاظ على سمات القرية النوبية ذاتها من البساطة والأطرزة المعمارية المميزة لها.

ويشير إلى أن الملابس النسائية النوبية ذاتها شبيهة بلوحات التشكيل التي تعبّر عن الربيع، فأغطية الرأس التي ترتديها الفتيات تشبه باقات الزهور المتنوعة، إذ تضم ألوان الأحمر والأصفر والأبيض والزهري.

وترتدي الفتيات غير المتزوجات في النوبة “الجرجار”، وهو رداء شفاف طويل ملوّن يزداد طوله من الخلف عن الأمام، مع غطاء للرأس يمتد لقرابة المترين من نفس خامة القماش ولا يظهر منه غير الوجه، بينما ترتدي المتزوجات الزيّ ذاته لكن باللون الأسود فقط.

فن البناء عند النوبيين اعتمد على الطوب اللبن المصنوع من الطميّ أو الطيني المحروق في تشييد مبانيهم ذات القباب والأقواس التي تتسم بفتحات صغيرة وضيقة، لحجب أشعة الشمس

ويؤكد البدري أن اللوحات النوبية لا يمكن عزلها عن اتجاهات الفن التشكيلي لجنوب مصر بوجه عام من الملامح الداكنة أو البنية المحروقة للبشرة لمعظم الجنوبيين، والتي تدفع الكثيرين للخلط بين الوجوه التي تخص النوبيين وأهالي الصعيد بجانب التغيّرات التي أجراها النوبيون ذاتهم على نمط زخرفة بيوتهم مع وصول الديانات السماوية إليهم.

امتزاج فني

امتزجت الرسومات التقليدية للنوبيين على منازلهم ببعض الفنون الأخرى كالفن القبطي بعد فرار المسيحيين من شمال مصر إلى النوبة هربًا من الإمبراطور الروماني “دقلديانوس” لتدخل العديد من الرسومات الجديدة إلي جدرانهم، كرسوم الأزهار والحيوانات والطيور، وتقلّ الأعمال المتعلقة بالأساطير القديمة.

ومع دخول الإسلام مصر، بدأ النوبيون في تغيير رسوماتهم ليغلب عليها طابع الزخرفة الإسلامية سواء بالخطوط أم بالأشكال الهندسية، ثم جاءت النقلة الثالثة مع بناء السد العالي والتهجير لتبدأ موجة فنية لا تزال مستمرة حتى الآن من الاهتمام بالتراث القديم في المنازل والأزياء والعادات.

يؤكد البدري أن عادات رقص الرجال وحفلات الحناء النوبية ومواكبها طالما جذبت الفنانين التشكيليين القدامى، إذ كانت الهدايا تتحرك من منزل العريس إلى عروسه في موكب يمر بالقرية كلها.

وتسمّى ليلة الحناء عند النوبيين بـ”الكوفرية” وفيها ترتدي العروس “الجرجار” التقليدي الأحمر حتى الانتهاء من الزينة، وبعدها ساريًا نوبيًا أحمر يشبه الساري الهندي التقليدي ويختلف عنه في طريقة التطريز وتغطيته لمنطقة البطن.

لا تحتاج اللوحات النوبية إعمال العقل كثيرا لرصد ملامحها أو مضامينها، إذ ينقل الفنان أفكاره بسهولة إلى المتلقي ليعيده معه سنوات للوراء للاستمتاع البصري بحياة لا يعرفها إلا من عايشوا النوبة القديمة أو زاروا القرى النوبية الجديدة المبنية على غرارها.

14