تشكيلي تونسي يعيش الفن في الفضاءات الواسعة

بعد 13 عاما أمضاها في المهجر، عاد التشكيلي التونسي علي البطروني إلى بلده الأم، تونس، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته الفنية، وبمدينة الحمامات التي استقرّ فيها، أنشأ ما سمّاه بـ{فضاء 33»، وهو عبارة عن بيت قديم يحتوي على باحة واسعة، وعلى خمس غرف، بين حين وآخر كان يدعو فنانين من أوروبا ليقيموا ويعملوا في هذا البيت، وعندما يغادرون يتركون لوحة من لوحاتهم له، علي البطروني الفنان والحالة الإبداعية الخاصة التقته “العرب”، فكان هذا الحوار عن التجربة والآمال والطموحات.
الأربعاء 2017/02/01
"آر أرتيتيد": الفن على قارعة الطريق

كان الرسام علي البطروني أصيل مدينة تطاوين بأقصى الجنوب التونسي، في العشرين من عمره حين شدّ الرحال إلى إيطاليا ليمضي خمس سنوات في أكاديمية الفنون الجميلة بروما، ولم يكن يكتفي خلال سنوات الدراسة بالتردد على المتاحف الكبيرة التي تزخر بأعمال مشاهير الإيطاليين وغيرهم، بل كان يحب أن يعيش الفن في الشوارع، وفي المقاهي، وفي الساحات العامة، وفي الأسواق القديمة.

كان يستهويه الاختلاط بالفنانين الهامشيين الذين ينفرون من محاضرات الأكاديميين الجافة والثقيلة، وبرفقتهم كان يمضي أسعد أوقاته في الليل كما في النهار، وبعد حصوله على دبلوم في الفنون الجميلة، انتقل البطروني إلى بلجيكا ليستقرّ في مدينة لياج، وفيها مارس مهنا مختلفة لكسب العيش، مختلطا مرة أخرى بالفنانين الهامشيين والعصاميين الذين كانوا يرسمون في الشوارع، وفي المقاهي، وفي الفضاءات العامة، فالفنان الحقيقي بالنسبة إلى ضيف “العرب”، هو ذاك الذي يعيش الفن في حياته اليومية، وفي مواقفه.

مع فنانين مهاجرين مثله قادمين من المكسيك، ومن البرازيل، ومن الشيلي، شارك في معارض جماعية، وخلال هذه الفترة أعجب بـ”التجربة الحائطية” التي عرفتها المكسيك في الثلاثينات من القرن الماضي، فقد غادر الفنانون مراسمهم ليرسموا لوحاتهم على الجدران، وفي الفضاءات العامة ليكون الفن مفتوحا على الشعب، ووسيلة لتهذيب الأذواق، وتدريب النظر على جمالية الألوان.

غادر علي البطروني بلجيكا ليمضي بضعة أعوام في مدينة بوردو الفرنسية، وهناك التقى أيضا بفنانين من أميركا اللاتينية، ومعهم تقاسم الرغيف، والكأس، وحب الفن المفتوح على الحياة في جميع تجلياتها، وعندما يضيق به الحال يهرع إلى “مقهى الفن” في قلب المدينة ليبيع رسما من رسومه.

وكما كان حاله في كل من روما، ولياج، كان يحب التردد على الأماكن المشبوهة التي يكثر فيها المهمّشون، وفيها يمتحن الفنان نفسه من خلال تجارب الحياة اليومية المريرة والقاسية في غالب الأحيان.

بعد سنوات طويلة من الغربة عاد البطروني إلى وطنه الأم تونس، تحديدا مدينة الحمامات الساحلية، ليؤسس “فضاء 33”، الذي كان يستضيف فيه فنانين من أوروبا ليقيموا ويعملوا في بيته الفني. ساعدته هذه التجربة التي خاضها بمجهوده الخاص على ربط علاقات فنية وثيقة بفنانين من فرنسا، ومن إيطاليا، ومن بلجيكا، ومن بلدان أخرى.

علي البطروني: الفن الحقيقي لا يولد في المراسم المغلقة، بل من خلال الاحتكاك بالناس

وانطلاقا من أواسط التسعينات، أطلقت وزارة الثقافة التونسية مبادرة فنية تتمثل في تشجيع مهرجانات فنية في المدن الداخلية، وكانت مدينة المحرس الواقعة بقرب مدينة صفاقس، عاصمة الجنوب التونسي، أول مدينة تجسدت فيها هذه التجربة بشكل بديع، ويعود الفضل في ذلك إلى الفنان والمسرحي الراحل يوسف الرقيق الذي حوّل المهرجان إلى لقاء فني عالمي.

وفي عام 1996، قام فنانون من محافظة القيروان (وسط تونس) ببعث مهرجان فني في مدينة السبيخة، وهي بلدة صغيرة يعيش أهلها على الزراعة وعلى تربية المواشي.

وعلى مدى ست سنوات عاشت هذه البلدة تجربة فنية رائعة، وكان أهلها يستقبلون الفنانين القادمين تونس، ومن بلدان عربية وأوروبية بحفاوة بالغة، ويفتحون بيوتهم المتـواضعة ليقيـموا فيها طيلـة أيام المهـرجان.

كان الفنانون يرسمون في الشوارع، وفي الحقول، وفي البساتين، ومن بين هؤلاء الفنانين كان علي البطروني الذي يقول “كانت تجربة السبيخة من أروع التجارب الفنية التي عشتها حتى ذلك الحين.. وأنا الذي أحب أن أعيش الفن في الفضاءات المفتوحة مثل شعراء التروبادور، لقد زادتني تلك التجربة اقتناعا بأن الفن الحقيقي لا يولد في المراسم المغلقة، بل من خلال الاحتكاك بالناس البسطاء، وبالتوغل في حياتهم الخالية من مظاهر الزيف والتصنع.. وكان توقف تلك التجربة ضربة قاسية للفنانين الذين يتقاسمون أفكاري وتجربتي”.

بعد تجربة السبيخة، أسس علي البطروني جمعية فنية سمّاها “إينارت”، وجميع أعضاء هذه الجمعية رحلوا عن الدنيا خلال السنوات الماضية، وهم: علي بن سالم، وعبدالرزاق الساحلي، وعلي غنّام، ودرية بن عبدالله، وقد قامت الجمعية بإطلاق مهرجان للفن في مدينة الحمامات، إلاّ أن التجربة سرعان ما فشلت لأسباب لا يرغب علي البطروني في الخوض فيها.

يقول البطروني “بعد فشل تجربة «إينارت»، أطلقت مبادرة فنية جديدة سميتها «آر أرتيتيد» لمساندة وتشجيع المبادرات في الفنون الحديثة المتصلة بالرسم والفنون البصرية، وتقوم هذه الجمعية بتنظيم مهرجان فني في ربيع كل سنة، وعلى مدى الأعوام الثلاثة الماضية، احتضن مهرجانها فنانين من جميع أنحاء العالم، ونظمت ندوات وورشات عمل، ويقوم الفنانون المدعوون برسم لوحاتهم على الشاطئ، وفي الأسواق، وفي المدينة العتيقة وفي فضاءات أخرى”. ويضيف “أفكر حاليا في توسيع هذه التجربة الفنية لتشمل مدنا أخرى متاخمة لمدينة الحمامات، كما أفكر في أن تنفتح على طلبة معهد الفنون الجميلة بنابل الذي يزخر بطاقات متميزة في جميع مجالات الفنون”.

وفي سؤال لـ”العرب” عن الفنانين الذين تأثر بهم علي البطروني، يقول “في الحقيقة ليس هناك تأثير مباشر، إلا أنني معجب بالفنان التونسي الراحل عمار فرحات الذي لم يدرس في المعاهد الفنية، لكنه كان يتمتع بحساسية فنية نادرة، جميع لوحاته التي رسم فيها بسطاء الناس، ومشاهد من الحياة اليومية في المدن والقرى والأرياف كانت خالية من التصنع ومن الزيف والبهرجة… لقد كان فنانا أصيلا لا يسعى أبدا إلى الشهرة، ولا إلى التبجح، بل كان ينجز لوحاته في صمت وبأقل الوسائل، وأنا معجب أيضا بالفنان التونسي الراحل نجيب بلخوجة الذي عرف كيف ينقل لعيوننا روح المدينة العتيقة، ولا تخلو لوحات كل من الحبيب بوعبانة ولمين ساسي من لمسات فنية عالية، وثمة فنان آخر أكن له تقديرا كبيرا ألا وهو الراحل حمادي سكيك، ابن القيروان الذي عمل في صمت، ومات في صمت”.

وعن ضرورة إقامة متحف للفن التونسي المعاصر، يقول علي البطروني “مخجل ألاّ يكون هناك متحف للفن التونسي الحديث مثلما هو الحال في جميع أنحاء العالم، لكني أدعو أولا وقبل كل شيء إلى تهذيب أذواق التونسيين بحيث يكون الفن في كل الفضاءات، وفي الشوارع، وفي المدن والقرى، إذ ما الفائدة من أن يكون هناك متحف لا يزوره التونسيون، ولا يهتمون بفنانيهم، ولا يقدرون عملهم؟”.

16