تشكيلي سعودي يروض الذائقة البصرية ويثير الفضول

الفنان السعودي محمد الفرج يعرض ثلاث قصص في تباينات بصرية تدمج الواقع مع الخيال بتقنية مزج ذكية تثير الأسئلة.
الأربعاء 2018/02/28
تباينات بصرية تدمج الواقع مع الخيال

جدة (السعودية) - تحويل الفكرة إلى فيديو وتحميل الحركة مشاعر جمالية مثيرة لذهن المتلقي وأحاسيسه المبطنة في عمق الدهشة بين الألوان والأضواء والتقنية والتحوّل بالصورة والمؤثرات، هي  أبرز مميزات العمل الفني لدى محمد الفرج الفنان السعودي وصانع الأفلام والمصوّر الفوتوغرافي الذي قدّم أكثر من تصوّر جمالي بصري في السينما وفي الفيديو آرت، فهو رغم تعقيدات الفكرة ونضجها المعتّق بالصور يعتمد البساطة في توجيهها حتى يقدّمها للمتلقي مع منحه استعدادا نفسيا لتقبلها، ثم يحرّره من ضيق المساحات الإدراكية ليستوعبها بشغف، وهو ما لاحظناه في عمله الأخير “صوفيا”، وهو فيديو آرت تركيبي.

وفي هذا العمل الذي عرض مؤخرا في “غاليري أثر” بجدة، قدّم الفرج أجهزة رقمية ومجسمات شاشات تلفاز ثلاثي الأبعاد، يعرض ثلاث قصص في تباينات بصرية تدمج الواقع مع الخيال بتقنية مزج ذكية تثير الأسئلة، وتستفزّ للبحث عن الأجوبة والمعلومة بطرح جوانب مبطنة من كل ما يصل المتلقي من برامج ومؤثرات عبر تلك القنوات، والتي بدورها لها مساحة في التأثير عليه مشهدا وصوتا وفكرة ولونا وضوءا عبر إخراجه بشكل علني صاخب وديناميكي. ويعرض الفرج القصص المركبة عبر الفيديو آرت بتدرج واقعي مألوف، ثم يتحوّل بنسقها خياليا ليدمجها بسرد مقصود يقوم بتجزئته إلى قطع بصرية تنعكس على العين أفكارا متناقضة بتحولات الفرض البصري الذي يستدرج المخرج المتلقي إليه، ففي المقطع الأول “صوفيا” إيحاء رمزي وسرد لقصة صوفيا التي منحت الجنسية السعودية، وفي مقطع متناقض تظهر قصص حقيقية لأناس عديمي الجنسية.

أعمال الفرج تحمل الكثير من الرمزية التي يتم مزجها تقنيا وتركيبها بطريقة بصرية بالكثير من الرؤى التي تجرّد الصورة وتفكّكها

أما المقطع الثاني “السلحفاة” ففيه عرض وثائقي لعملية إنقاذ سلحفاة في ثمانينات القرن الماضي، عمرها 100 سنة، وفي المقابل مقطع ذبح وحشي لسلحفاة معمّرة، وفي الدمج تتحرّك السلحفاة بين الشاشات في تركيب جمالي خيالي، وفي المقطع الثالث المعنون بـ”الموت للتلفاز ولتحيا الصورة”، يتم تغطية الشاشات لتظهر شاشة واحدة معتّمة سوداء بمؤثر صوتي أشبه بانفجار، لتظهر صورة تلفاز يحترق بمكان مهجور، ثم يظهر بعدها شخص يحل محل رأسه تلفاز يسدّد النار على رأسه ليقتل ذلك الجهاز كتعبيرات مجازية رمزية على ضرورة الانعتاق من الصورة الموجّهة والتحرّر من سجنها نحو التحرّي العقلاني واستيعاب التناقضات التي يسرّبها.

وتحمل أعمال الفرج الكثير من الرمزية التي يتم مزجها تقنيا وتركيبها بطريقة بصرية بالكثير من الرؤى التي تجرّد الصورة وتفكّكها، حتى تخلق وصلا بين ما يرى حقيقة وما يبصر خيالا، حيث يفتح منافذ الفكرة أمام العقل حركة وتفاعلا وفق الأداءات التعبيرية المقصودة والموحية بالفكرة والمشهد.

والفرج يبحث بدرجاته البصرية عن الابتكارات التقنية الضوئية اللونية والحركية والصوتية التي يوافق بينها من خلال الصورة الأصل والفكرة المرجع لتتجاوز الفراغات ولترهق الخيال الذي يذعن لطاقة الصورة، فيحمل أفكارها التي تجيبه عن أسئلته وترضي الشغف البصري الذي ينجح التشكيلي السعودي في خلقه، فهو يروّض الذائقة البصرية ويثير فضولها رمزيا.

ومحمد الفرج مصوّر فوتوغرافي وصانع أفلام، له أعمال بصرية تستكشف وتبحث في الصورة وتأثيرها القصصي والحقائقي.

16