تشكيلي مصري يجعل من المرأة صبارة الصحراء

عبر أكثر من ستة عقود من الإبداع، يتمسك التشكيلي أحمد نبيل سليمان، أحد رواد الجيل الثاني في حركة الفن المصرية، بطرح كائنات تشبهه، منفتحا على الطبيعة البكر، الحافلة بالبشر مكتملي الإنسانية، والطيور، والنباتات، والأحجار التي يمكن منحها صفة الحياة.
الجمعة 2018/03/02
حياة قريبة بمفردات شعبية بسيطة

القاهرة – في معرض التشكيلي المصري أحمد نبيل سليمان الذي يحتضنه حاليا “غاليري ضي/أتيليه العرب للثقافة والفنون بالقاهرة”، والمعنون بـ”ليالي زمان”، تحرّر سليمان من الأطر الذهنية والقوالب المدرسية الجامدة، زارعا صبّاراته في وعاء المرأة، ومذيبا نساءه في رحيق الصبارات، وقائلا بوضوح “هذا عالمي”.

ويؤمن أستاذ التصوير بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، الحاصل على مؤهلاته الرفيعة من إيطاليا، بعدم التعارض بين عالمية الفن، حيث الانفتاح على تطورات الحركة التشكيلية عربيا ودوليا، وبين الإغراق في المحلية والتمسك بالجذور والروح الشعبية، في معادلة لا يراها مستحيلة.

يرى أحمد نبيل سليمان في حديثه لـ”العرب” أن التحاور والتشابك هما اللذان يحكمان العلاقة بين المنتج التشكيلي ذي الخصوصية المحلية، من حيث الطرح والعناصر، والسياقات التعبيرية الراهنة في العالم العربي، وحركة الفن الحديث حول العالم.

وهذا هو النسق الذاتي المركزي لسليمان، بخصوصيته وانغماسه في بيئته، فهو منفتح كذلك بشكل أو بآخر على الإنسان الكوني، في عالم ذابت فيه الفواصل والحدود بين البشر، وعلت نبرة المشترك البشري على حساب القضايا الإقليمية المتضائلة.

ويوضّح التشكيلي المصري “حرية الفنان هي التي تكفل له فرض شخصيته، والتمرّد على قيود المدارس والمذاهب بالاندماج الأرحب في نسيج الوجود، والعودة إلى الطبيعة الأم، حيث يتفاعل الفنان تفاعلا مباشرا ملموسا مع الكائنات التي يصوّرها والمفردات المهملة”.

ويحكي الفنان أحمد نبيل سليمان بعد إقامة طويلة في دول غربية “أستشعر لاحقا بالغربة كإنسان، وكفنان، ومن ثم عاودني الحنين إلى التصوير الزيتي في بيئة ريفية، ومجتمع صحراوي، ودفعني هذا الاستغراق إلى تكوين بيت صغير يعج بالنباتات والطيور والحيوانات، وينفتح فضاؤه على الطبيعة البكر، ويحيطه البشر مكتملو الإنسانية”.

ويسعى سليمان إلى خلق خلايا العملية التصويرية، إذا جاز التعبير، من عصارات النباتات، وظلال النساء/الصبارات، وحركة الخيول، ورفرفة الطيور، وانكسار الأضواء وانعكاسها على تكعيبة العنب، وتكثُّف الزمن في خبرات العمر الذي يناهز الثمانين.

والمرأة والحصان والطائر، أبرز أقانيم أحمد نبيل سليمان في تجربته الممتدة بصفة عامة، وفي “ليالي زمان” على وجه الخصوص، يعالجها عادة وفق الناقد عزالدين نجيب “بأقل قدر من التحريف الفني ومن التجسيم الأسطواني، مستخدما درجات اللون الأزرق، وهي تسري كالحلم”.

أحمد نبيل سليمان يعتبر التمسك بالجذور والموروث الشعبي المصري  لا يتعارض مع ملاحقة تطورات الفن عربيا وعالميا

وفي غمرة انتشاء أحمد نبيل سليمان، وتصالحه مع كائناته وموجوداته، تنتفض الخيول منطلقة، وربما طائرة ومحلقة، لتستعمر الرؤية التصويرية قارات غير مأهولة، وتعود النزعة الميتافيزيقية القديمة الكامنة في ذاكرته للظهور، فاتحة التأويل على فضاءات لا متناهية.

يؤمن الفنان أحمد نبيل سليمان بأن أبرز منجزات الحداثة في تجربة الفن الجديد بالعالم الغربي تتمثل في الاحتفاء البالغ بقيمة اللون، بوصفه أوضح وأعمق مفردات اللغة.

وتنفتح تجربة التشكيلي المخضرم على الحياة القريبة والمفردات الشعبية البسيطة، وهذا ما يراه هو معبّرا للوصول إلى المتلقي العادي، ووسيلة لكسر نخبوية الفنون البصرية، فالتشكيل في الأساس هو فن الهواء الطلق، والمتاحف المفتوحة لعموم الناس أينما كانوا.

ويرسم سليمان كي يطالع الجمهور أعماله على نطاق واسع، ومن هذا المنطلق اتجه في وقت سابق إلى التصوير الجداري، وأسهم في تصميم وتنفيذ مجموعة من الجداريات لمحطات مترو الأنفاق، ومطار القاهرة الدولي،  وواجهة المسرح المكشوف بمدينة الإنتاج الإعلامي، وغيرها من الأمكنة العامة.

“أحب أن أكون واحدا من هذا العالم”، هكذا يؤكد أحمد نبيل سليمان، موضحا أن الفنان قادر على خلع صفة الحياة على العناصر التي يصوّرها، حتى وإن كانت حجارة صماء، وذلك من خلال تمرير مفردات العمل الفني جميعها على مختبر الذات أولا، لتنطق بلسان الفنان ونبضه.

“ليالي زمان”، معرض موسيقي بامتياز، فالفنان يتصيّد الإيقاعات الخفية التي تحكم حركة كائناته على الأرض وفي الوجود، ومع صهيل الخيول وزبد البحر وعصف الرمال وضحكات النساء، تتراقص الألوان كأرواح هاربة من الروتين المقيم.

17