تشكيلي مصري يهيمن على الفضاء بكائنات أسطورية

النحات المصري طارق زبادي يلخّص رحلته الممتدة مع فن النحت عبر نصف قرن في معرضه الأخير في القاهرة.
الجمعة 2018/03/09
النحت فن الناس في الأصل

القاهرة - دون الحرية الكاملة للفنان، لا سبيل إلى فهم جماليات الخامات الصعبة التي يروّضها، هذا ما حاول النحات المصري طارق زبادي (73 عاما) بلوغه في معرضه الأخير بـ”أتيليه العرب للثقافة والفنون” بالقاهرة، والذي يلخّص رحلته الممتدة مع فن النحت عبر نصف قرن.

وفي حديثه مع “العرب”، قال الفنان طارق زبادي إن عدم الوعي الإداري والحكومي وراء تراجع النحت وابتعاده عن الجماهير وتشرنقه حول ذاته كفن نخبوي، فلا يمكن نهوض هذا الفن وعودته إلى شعبيته دون توجه قومي من الدولة مثلما كان الحال في مطلع القرن الماضي.

وحصل زبادي على الماجستير والدكتوراه من أكاديمية روما بإيطاليا، وأقام العشرات من المعارض بمصر ودول عربية وأجنبية عدة، وأعماله مقتناة في متاحف وهيئات ومؤسسات بمصر ودول مثل السعودية والكويت وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وهولندا.

على المثّال أن ينشغل بالاشتباك مع الأرض مثلما يفكر في احتلال الفراغ، هكذا تقول أعمال الفنان طارق زبادي النحتية، التي تتخذ دائما معبرا إلى الإنسان واقتناص لحظاته الحياتية وتفاصيله اليومية ومشاعره المتناقضة، خلال رحلة الهيمنة على الفضاء بجسارة، وأحيانا بغرائبية.

ويراهن زبادي على المرأة والطائر والحصان كأبراج أبدية للتحليق، خصوصا أن لها دلالات واسعة النطاق في الموروث الشعبي والتكوينات الفرعونية التي يستدعيها الفنان من ذاكرته، فضلا عن حضورها المباشر في الواقع المحيط.

ويقيم الفنان كذلك حواراته الخاصة مع الشجر، بوصفه وجها من وجوه الطبيعة، وترجمة أمينة للمرأة لا سيما في تفجّرها بالأمومة، وبخبراته التجريبية وميوله إلى التجريد تكتسب حكايات الشجر حيوية درامية، إذ يضرب جذوره في أعماق التربة ويبحر بفروعه إلى أعلى بأجنحة تدّعي النماء والاخضرار.

ولا يطرح النحات المصري تكويناته وأشكاله كمرادفات لحضورها في الطبيعة، إنما يكسبها عادة إحالات أسطورية، مغيرا تارة من مراكز ثقلها ومتلاعبا أحيانا في نسبها التشريحية وأبعادها الحسابية للتعبير عن طاقات كامنة تسكن الأشكال والخامات الجامدة وبلورة انفعالات ولحظات بعينها.

 

يؤمن أبناء المثّال المصري الرائد محمود مختار، صاحب تمثال “نهضة مصر” الشهير أمام جامعة القاهرة، بأن الأعمال النحتية العظيمة مكانها الطبيعي الهواء الطلق والمتاحف المفتوحة، لتفعيل العلاقة بين الفنان والمجتمع، ومن هؤلاء النحاتين البارزين طارق زبادي أستاذ الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية.

وإلى جانب الوعي المعرفي والانفتاح على تيارات الحداثة ومدارس النحت الجديدة، يستمد طارق زبادي حيوية تعامله مع كائناته من البيئة القريبة، وهو ما يصفه بقوله “على الأرض عادة ما نلمسه، ونستشعره، ونقيم علاقة معه.. الفنان محكوم بالمكان الذي يؤثر فيه، نبع البيئة لا ينفد، والقرية خصيبة إلى أبعد حد”.

وللفنان طارق زبادي أعمال نحتية عديدة معروضة في أمكنة مفتوحة، منها تشكيل ضخم بجنوب السعودية، ومجسم طوله 13 مترا في غينيا الإستوائية، ومسلات بمصر في طريق أبوقير وقرب أكاديمية العلوم البحرية بالإسكندرية.

ويؤمن زبادي بأن النحت هو فن الناس في الأصل، ويرى أن أبناء المثّال الرائد محمود مختار مؤهلون لتصميم وتنفيذ أعمال نحتية طليعية كبيرة معبّرة عن نبض المجتمع المصري وقضايا الوطن الملحة، على غرار تمثال “نهضة مصر” العظيم، إذا أتيحت لهم الفرصة ولقوا التشجيع الملائم من الجهات المعنية.

ويشير إلى أن غياب الوعي الإداري والحكومي بمصر هو السبب المباشر لتراجع فن النحت في السنوات الأخيرة، وابتعاده عن الجماهير، وتمحوره حول ذاته كفن نخبوي لا يحظى بالتفاعل اللائق، ويقول متسائلا “كيف يمكن التحدّث عن أي نهضة فنية دون توجه من الدولة لرعاية الفنون والاحتفاء بها؟”.

وفي تحليقه الذي ينجزه عبر أشكاله النحتية الشامخة، وكائناته الموحية بالتمدّد والانطلاق وتجاوز قوانين الطبيعة كالجاذبية الأرضية انحيازا لجسارة الحالة وجموح الروح، يتخطى الفنان المعطيات المستقرّة لبناء الكتلة وتشكيل الموجودات.

ولا يتقيد زبادي بالمذاهب النمطية، معتبرا أن “حرية الفنان هي سبيله الوحيد من أجل أن يفهم جماليات الخامات الصعبة التي يروّضها ويتعاطى معها بحميمية، من حجر وخشب وبرونز ونحاس وبوليستر وغيرها”.

ولا حدود لمغامرات الفنان، ليس فقط من خلال المزج بين خامات غير تقليدية وأسطرة الكائنات بإطلاقها في الفضاء، وإنما كذلك من خلال تلك الحواريات والثنائيات والثلاثيات التي يقيمها بين الأشكال التي يطلقها متجاورة في مجسمات مركبة، بما يوحي بتحولات لا نهائية للحالة، وعدم استقرار المنظور على وضعية راسخة.

وفي تمثله لأحدث التيارات الغربية في فن النحت، من حيث الموازنة والمزج بين التجريد والترميز والحس السريالي لإبراز التوترات والتقلبات التي تجتاح الكتل وتفجرها داخليا، يرى طارق زبادي “أن المنبع الدافق الذي يُكسب الحداثة روح الخصوصية، هو مخزون الذاكرة”.

17