تشكيل الحكومة المغربية يتأثر بالمتغيرات الإقليمية والدولية

مرة أخرى يعود الحديث عن ملف الحكومة المغربية التي تأخر تشكيلها قرابة الثلاثة أشهر إلى الواجهة، حيث يربط بعض الملاحظين نجاح المغرب في عودته إلى مؤسسات الاتحاد الأفريقي بقرب حل عقدة الحكومة التي تم تكليف عبدالإله بن كيران بتشكيلها من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس في 10 أكتوبر الماضي.
السبت 2017/02/04
لا مجال للمزيد من المناورات

الرباط - يؤكد مراقبون أن تركيبة الحكومة المغربية المقبلة لا بد أن تستجيب لمرحلة ما بعد 30 يناير تاريخ عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، خصوصا أن البرلمان المغربي قطع عطالته الإجبارية وصادقت كل الأحزاب المغربية الممثلة داخله على الميثاق المؤسس للاتحاد، وذلك استجابة للتقديرات المرتبطة بعودة التموقع المغربي في عمقه الأفريقي.

واعتبر أناس المشيشي، الباحث في العلوم السياسية بجامعـة فاس، في حديث لـ“العرب”، أن تشكيل الحكومة برئاسة عبدالإله بن كيران هو مسألة وقت بعد عودة الملك من جولته الأفريقية، وذلك بصيغة توافقية بين كل من بن كيران وعزيز أخنوش رئيس حزب الأحرار تحفظ ماء وجه بن كيران، كأن يتم قبول دخول الاتحاد الدستوري مباشرة أو بشكل غير مباشر وأن يكون الاتحاد الاشتراكي خارج الحكومة ولكن من موقع المساندة الحكومية.

وبعد انتخاب الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب عن الاتحاد الاشتراكي، هذا الحزب الذي يرفض عبدالإله بن كيران إضافته إلى التشكيلة الحكومية، اعتبر مراقبون أن فشل الأخير في إقناع رؤساء أحزاب الأغلبية التي شاركته في تدبير الحكومة السابقة في تقديم مرشح من بينها، ستكون له تداعيات أخرى ستؤثر في علاقته بقاعدة حزبه وتضعف موقعه التفاوضي في مجريات المشاورات التي سيدخلها قريبا.

ويرى خالد شيات، الباحث في العلاقات الدولية في جامعة محمد الأول في وجدة، في حديثه لـ“العرب”، أن الأمر يرتبط بآخر حاجز للتفاوض بين حزب الأحرار ورئيس الحكومة المكلف حول إقحام أو عدم إقحام الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، والراجح أن ترأس الاتحاد الاشتراكي لمجلس النواب يقربه أكثر من التشكيلة الحكومية.

ويعتقد الأستاذ خالد شيات، أن بن كيران في حاجة إلى الوقت كما كان مع حزب الاستقلال لتصريف قبوله بذلك أمام مناضليه وأمام الشعب، وبالتالي يمكن أن تتشكل الحكومة في أقرب فرصة وعلى الأرجح ستتزامن مع عودة الملك إلى أرض الوطن، وهي مدة كافية لمعالجة كافة الإشكالات السابقة.

وعكس ما ذهب إليه خالد شيات لا يتصور الأستاذ أناس المشيشي سيناريو دخول الاتحاد الاشتراكي للحكومة لأن شعرة معاوية بين حزب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي لم تعد قائمة، خصوصا وأن الأخير هو من عقد وضعية رئيس الحكومة في التفاوض وجعله في موقع تفاوضي ضعيف مع عزيز أخنوش عندما لم يحسم خياراته منذ البداية وظل يتأرجح بين موقفي الرفض والقبول.

السياق الدولي يفرض وجود أحزاب قوية حاملة لمشروع يجعلها مؤهلة لتشكيل حكومة تستجيب للتطلعات

وأضاف المشيشي أن الاتحاد الاشتراكي استطاع أن ينتزع رئاسة مجلس النواب دون التنسيق مع حزب العدالة والتنمية رغم أنف رئيس الحكومة مما خلق نوعا من التناقض بين الأغلبية البرلمانية التي صوتت لفائدة الحبيب المالكي والذي وصل إلى ذلك المنصب بفضل أصوات حزب الأصالة والمعاصرة الذي يوجد في المعارضة، وبين الأغلبية البرلمانية التي ستنبثق منها الحكومة والتي لن تكون بدعم حزب الأصالة والمعاصرة.

وفي الوقت الذي يعتقد فيه خالد شيات أن عبدالإله بن كيران لا يستطيع أن يدفع في اتجاه انتخابات جديدة، يذهب أناس المشيشي إلى أن تدخل الملك سيكون حاسما في انتهاء هذه الجولة المكوكية من التفاوض حول تشكيل الحكومة.

وفي ذات السياق الذي تتشكل فيه ملامح الحكومة المغربية القادمة، وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم الذي يعتبر نفسه معنيا بمحاربة “الإرهاب الإسلامي المتطرف” الذي سيعمل على محوه من على وجه الأرض، كما جاء في خطاب تنصيبه، حيث يرى مراقبون أن ترامب رغم أنه لم يقصد الإسلام كعقيدة أو توجهه مباشرة نحو الأحزاب الإسلامية المعتدلة ومنها العدالة والتنمية المغربي، إلا أن سلوكه الصدامي سيجعل تلك الأحزاب تتوجس منه خيفة.

ويرى المشيشي أن السياق الإقليمي والدولي قد تغير ولم يعد في صالح الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، مستدركا أن السياق المغربي يختلف باعتبار الدور المركزي للعاهل المغربي كرئيس للدولة في النظام السياسي المغربي ناهيك عن استئثاره بالحقل الديني، الأمر الذي يجعله خارج التباري السياسي ما يضمن نوعا من الوسطية والاعتدال إضافة إلى الدور الرئيسي الذي يلعبه المغرب في محاربة الإرهاب والتطرف.

ويعتقد أن السياق الوطني والإقليمي والدولي يفرض أن تكون هناك أحزاب سياسية قوية حاملة لمشروع مجتمعي يجعلها مؤهلة لتشكيل هندسة حكومية تستجيب إلى انتظارات المواطنين.

ويشير مراقبون إلى أن هذه المعطيات الوطنية والدولية تستدعي مشاركة أحزاب معينة في الحكومة حتى ولو لم يستسغ بن كيران وجودها كالاتحاد الاشتراكي، بمعنى تحصين المنهجية الديمقراطية دون المس بمخرجات الانتخابات لكي يعطي المغرب انطباعا بأن الإسلام السياسي فيه تحت الضبط والسيطرة.

وأكد الباحث في العلوم السياسية، أن المسار الديمقراطي الذي دشنه المغرب لا يمكن تغييره استجابة لعدم نظر بعض القوى بعين الرضى لبعض التيارات الإسلامية، كما أن السياسة

الخارجية هي مجال سيادي للملك ووزارة الخارجية ولن تسند لحزب العدالة والتنمية بالتأكيد وسط هذه السباقات الإقليمية والدولية.

ويعتقد شيات، أن تشكيل الحكومة لا علاقة مباشرة له بما يقع على المستوى الدبلوماسي، لكن هناك حاجة لبناء داخلي قوي لمواجهة التحديات القارية، فقد تبين أن الحكومة تبقى بعيدة عن الفعل الدبلوماسي الحقيقي وأن الملك هو الفاعل الأكبر في هذا الحقل.

4