تشنج الخطاب السياسي يطلق شرارة الانتقام لنمر النمر من سنّة العراق

لسنّة العراق ما يخشونه بشأن تبعات قضية إعدام نمر النمر، في ظلّ هشاشة الوضع الأمني وتسيب الميليشيات المسلّحة، وارتفاع منسوب الشحن الطائفي في البلد وتسرّبه إلى الخطاب الرسمي للدولة.
الثلاثاء 2016/01/05
القوات المسلحة الشيعية

الحلة (العراق) - حمّلت رئاسة الحكومة العراقية “العصابات المجرمة من دواعش وأشباههم”، مسؤولية التعرّض لدور عبادة سنية وقتل مؤذن أحد المساجد، فيما حذّرت جهات سياسية عراقية وعربية من خطورة الخطاب الطائفي، بما في ذلك الخطاب الحكومي الرسمي المتشنّج والعصبي الذي أعقب إعدام السلطات السعودية لرجل الدين الشيعي نمر النمر.

ويرى مراقبون أن الوضع الهش القائم في العراق وما يميّزه من توتّر طائفي يرشّح البلد الممزق بالحرب والمثقل بالمصاعب الاقتصادية لتلقّي ارتدادات حادثة إعدام النمر، بما في ذلك الارتدادات الأمنية في ظلّ فوضى السلاح السائدة في البلد، ووجود أعداد هائلة من الميليشيات الطائفية المنفلتة من رقابة الدولة.

وكانت الحكومة العراقية قد عقّبت بعبارات غير دبلوماسية وردت على لسان مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء وفي وزارة الخارجية، على إعدام نمر النمر في السعودية، في مواقف بدت غير منفصلة عن الانتماء الطائفي الشيعي لكبار المسؤولين في الحكومة العراقية، فيما بادرت الأحزاب الشيعية الحاكمة في العراق إلى شنّ حملة ضارية على السعودية، جاءت متناغمة مع حملة مماثلة شنّتها إيران على المملكة.

وبشكل شبه آلي انعكست المواقف السياسية على الوضع الأمني في العراق، حيث هز انفجاران مسجدين سنيين في مدينة الحلة، جنوب بغداد، كما اغتال مسلحون مؤذن مسجد ثالث شمال المدينة، في مؤشّر على تصاعد العنف الطائفي في البلد.

وذكرت مصادر محلّية أن مجموعة من المسلحين يرتدون زيا عسكريا قامت ليل الأحد-الإثنين بتفجير عبوتين ناسفتين محليتي الصنع في المسجدين السنيين في المدينة الواقعة على بعد ثمانين كيلومترا جنوب العاصمة بغداد.

واتهم رئيس الوزراء حيدر العبادي تنظيم داعش بالوقوف وراء هذه التفجيرات، رغم أن التنظيم لا يعرف أن له وجودا في تلك المنطقة منذ أن تم طرده من ناحية جرف الصخر قبل أكثر من سنة.

ونقل بيان مقتضب عن مكتب العبادي قوله “وجهنا قيادة عمليات بابل بمطاردة العصابات المجرمة من دواعش وأشباههم التي اعتدت على المساجد لإثارة الفتن وضرب الوحدة الوطنية”.

وقال ضابط برتبة نقيب في الشرطة العراقية إنّ “مسجد عمار بن ياسر في حي البكرية فجر بعد منتصف ليلة الأحد”، مضيفا “بعد سماعنا صوت الانفجار تحرّكنا نحو المصدر وتبين أنّه تم زرع عبوات ناسفة في المسجد”.

وشرح أنّ “عددا من أهالي المنطقة ذكروا أن مجموعة يرتدي أفرادها ملابس عسكرية نفذت العملية ولاذت بالفرار” مشيرا إلى تعرض نحو عشرة منازل قرب المكان إلى أضرار جراء التفجير.

إلقاء التبعة على عناصر مدسوسة لتبرير أحداث ذات بعد طائفي مثل أعمال القتل والتخريب التي تطال مناطق سنية مستعادة من داعش

ونقلت وكالة فرانس برس عن شاهد عيان يسكن قرب المسجد قوله إن “المسلحين اقتادوا أحد النازحين من محافظة الأنبار، يسكن في المسجد مع عائلته، إلى مسافة قريبة وقتلوه بالرصاص”. وأكد طبيب في مستشفى الحلة تلقي جثة الضحية.

كما قامت مجموعة من أربعة أشخاص يستقلون سيارة صغيرة، بتفجير مسجد الفتح الواقع في الجانب الغربي من مدينة الحلة.

وفي حادث منفصل، اغتال مسلحون مجهولون طه الجبوري إمام ومؤذن جامع محمد عبدالله جبوري السني في ناحية الإسكندرية بجنوب بغداد، وفقا لمصدر في الشرطة العراقية.

وتقع منطقة الإسكندرية ذات الغالبية السنية في منطقة يطلق عليها اسم “مثلث الموت” الذي يشمل مناطق سنية إلى الجنوب من بغداد وشهدت أعمال عنف يومية خلال الأعوام التي أعقبت اجتياح العراق سنة 2003.

وأصدرت وزارة الداخلية بيانا ورد فيه أن “هذه الاعتداءات محاولات يائسة لاستعداء الطوائف العراقية ضد بعضها البعض، وثمة جهود لإحياء الاحتقان المذهبي على خلفية أحداث تشهدها المنطقة”.

وأضافت أن “هذه محاولات تقوم بها عناصر مدسوسة لزرع الفتنة”، متوعّدة بالتصدّي “بحزم وقوة ضد كل محاولة تمس مكانة المجتمع”.

وكثيرا ما تُلقى التبعة من قبل السلطات الرسمية في أحداث ذات بعد طائفي مثل أعمال القتل والتخريب التي تطال المناطق السنية المستعادة من يد تنظيم داعش، على “عناصر مدسوسة”، لكن متابعين للشأن العراقي يؤكّدون أن الانقسام الطائفي في العراق أمر واقع حتى في الممارسة السياسية، حيث تقوم تجربة الحكم القائمة منذ سنة 2003 على المحاصصة الطائفية.

وازداد الأمر خطورة في ظلّ الحرب على تنظيم داعش والتي تشارك فيها بفعالية العشرات من الميليشيات الشيعية المسلّحة والتي تبدي تفلّتا واضحا واستعصاء على رقابة الدولة المحكومة بدورها من قبل غالبية شيعية.

وفي أكثر من حدث تبّينت تبعية تلك الميليشيات لأجندات سياسية وانخراطها في تصفية حسابات تتجاوز الداخل العراقي إلى الصراع الدائر في الإقليم وتعتبر إيران طرفا أساسيا فيه.

وسبق لميليشيا شيعية أن اختطفت عمّالا أتراكا، كما تتجه الشكوك إلى ذات التشكيلات الطائفية المسلّحة في حادثة خطف صيادين قطريين بجنوب العراق، بينما بدا أمرا منتظرا ومرجّح الحدوث أن تشارك الميليشيات في ردّة الفعل على إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية، بما ينذر بتأجيج العنف الطائفي في العراق.

ونُقل أمس عن موظف حكومي شاب من مدينة الحلة قوله إن “الكثير من العائلات بدأت تشعر بالخوف من احتمال عودة الإرهاب كما حدث خلال أعوام العنف الطائفي”.

3