تشويه الشباب لأجسادهم في الجزائر مؤشر عنف أم تعبير عن يأس

كشفت دراسة جزائرية حديثة أن قيام الشباب بإحداث ندوب في أجسادهم وتشويهها يجب اعتباره بمثابة نداءات استغاثة من تفشي هذه الظاهرة التي من شأنها أن تؤدي إلى أعمال عنف تهدد الأسر والمجتمع.
الثلاثاء 2018/02/27
تورط الشباب في تعذيب الذات يهدد الأسر والمجتمع

الجزائر - نبّهت نتائج دراسة تمحورت حول “العنف والشباب بولاية الجزائر” إلى أنه إذا تبنى الشاب سلوك تشويه الجسم إضافة إلى الشتم والسب، فإنه سيكون لا محالة من مرتكبي أعمال العنف، وسيشكل بذلك خطرا على المحيطين به وعلى المجتمع.

وقال الأستاذ رشيد بلحاج، رئيس الوحدة الطبية-القضائية بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة الجزائر في تصريح لوكالة أنباء الجزائر “واج”، إن “قيام الشباب بإحداث ندوب في أجسامهم وتشويهها يجب اعتباره بمثابة نداءات استغاثة مما يتطلب فتح حوار مع هؤلاء الشباب اليائسين”.

وأشار إلى أن هؤلاء الشباب الذين يقدمون على تشويه أجسادهم ويمارسون العنف عليها يشكلون خطرا كبيرا، وقد يرتكبون أعمالا عنيفة جدا لأنهم فقدوا القدرة على تقدير الذات.

وأضاف بلحاج أن “الخطورة تزيد إذا كان محيط الشاب سيئا”، وأشار إلى أن الدراسة أظهرت أن “الشباب مرتكبي أعمال العنف بالعاصمة لم يعودوا يستخدمون سكاكين صغيرة أو مطواة بل وسائل أكثر خطورة قد تسبب الموت أو جروحا خطيرة مثل السيوف وبنادق الرمح أو مسدس إشارة الاستغاثة”.

كما أوضح مستندا إلى نتائج الدراسة أن “العنف عند الشاب يبدأ بعنف لفظي من سب وشتم وعبارات نابية..”، منبّها إلى أنه “إذا لم يتم وضع حد لهذا العنف اللفظي من خلال الاعتماد على تربية الأسرة والمدرسة فإن هذا الشاب سيتورط لا محالة في العنف الجسدي ضد نفسه، مثل تعذيب الذات أو الانتحار أو ضد الآخرين”.

وأفاد بلحاج بأن “احترام الذات يظل الضامن الوحيد والحقيقي بالنسبة للشاب حتى يتمكن من مواجهة صعوبات الحياة ومساعدته على الابتعاد عن ويلات العنف”.

ونبّهت نتائج الدراسة إلى وجود مسائل أخرى مرتبطة بالوشم وإحداث الثقوب والأقراط وحمل السلاح، وهي مؤشرات تدل على أن هؤلاء الأشخاص عنيفين وخطيرين.

وفي تقرير لموقع “أخبار اليوم” صرح بلحاج بأن مصالح وحدة الاستعجالات الطبية والقضائية لمستشفى مصطفى باشا الجامعي بولاية الجزائر استقبلت سنة 2017 ما يعادل 3182 ضحية عنف و682 شابا من مرتكبي العنف. وكشف بلحاج أن 3182 ضحية عنف قد تم فحصها على مستوى وحدة مصطفى باشا، مبرزا أن 70 بالمئة من الضحايا قد تعرضوا للضرب والجرح العمد فيما تعرض 10 بالمئة منهم للعنف الجنسي.

مختصون نبهوا إلى أن الكثير من الشباب الذين يؤذون أنفسهم بتشويه أجسادهم يعبرون عن رفضهم لواقعهم المرير

وأضاف أن المستوى الدراسي للأغلبية الساحقة لمرتكبي أعمال العنف هو المستوى الثانوي. كما نبّه إلى أن الوحدة فحصت سنة 2017 حالتين من الانتحار لشابين (14 و16 سنة) بسبب الألعاب الإلكترونية التي تدعو إلى العنف وكذلك حالتي انتحار لفتاتين بسبب العنف الجنسي المتكرر داخل الأسرة (زنا المحارم).

وحذر من استفحال ظاهرة العنف وخاصة في الأوساط الشبابية، واصفا إياها بالسرطان الذي ينخر جسد المجتمع، مشيرا إلى أن مرتكبي العنف أصبحوا في الوقت الحالي يستعملون أدوات قاتلة على غرار السيوف والتي إذا لم تقتل الضحية فقد تسبب لها عاهة مستديمة على غرار بتر الأصابع أو أي عضو من الأعضاء.

وشدد بلحاج في السياق ذاته على ضرورة التمييز بين الشاب العنيف والشاب العنيف والخطير الذي يشكل خطرا على نفسه وعلى المجتمع، مؤكدا على ضرورة التكفل النفسي والجسدي بضحايا العنف الذين قد يتحولون غدا إلى مرتكبي العنف.

وأفادت نتائج الدراسة بوجود العديد من العوامل التي أدت إلى تزايد مظاهر العنف بين هذه الفئة من المجتمع. وأوضح بلحاج أن من أبرز هذه العوامل تعرّض الشباب لمختلف صور العنف والدم أثناء العشرية السوداء التي شهدتها الجزائر مما أزال لديهم الشعور بالإحساس بالخوف من أي شيء وبالتالي أصبحوا يعبرون عن أنفسهم عن طريق العنف والتعنيف.

ومن بين العوامل التي تؤدي إلى تفاقم ظاهرة العنف عامل تعاطي المخدرات. ومن جانبه أكد رئيس فرقة مكافحة الاتجار غير الشرعي للمخدرات للمقاطعة الشرقية للشرطة القضائية لأمن ولاية الجزائر عميد الشرطة طارق غلاب أن العنف مرتبط ارتباطا وثيقا بتعاطي المخدرات بين أوساط الشباب بحكم أن الشاب المدمن معرض للجوء إلى استعمال جميع أشكال العنف حتى ضد أفراد أسرته للحصول على المخدرات.

ونبه غلاب إلى التنامي المتصاعد لتعاطي الشباب للمخدرات الصلبة على غرار الهيرويين والكوكايين مما يؤدي إلى شجارات عنيفة بينهم، مشيرا إلى أن 264 طفلا قاصرا تورّطوا سنة 2017 في قضايا تتعلق بالمخدرات.

وقال بلحاج إنه بحسب الدراسة، فإن الأطفال المنحدرين من العائلات المفككة بسبب الطلاق يشكلون نسبة كبيرة من بين مرتكبي العنف بالإضافة إلى الشباب المعتادين على الألعاب الإلكترونية الخطيرة التي تدعو إلى العنف اللفظي والعنف الجسدي، ومن بين المؤشرات التي توحي بأن شابا معينا قد يصبح مرتكبا للعنف مستقبلا حمله لوشم في جسده أو لسلاح أبيض أو قيامه بتشويه جسده عن طريق السيجارة أو أي أداة أخرى أو يستعمل العنف اللفظي أو مدمن على المخدرات أو الألعاب الإلكترونية.

وأكد علماء اجتماع أن أذيّة النفس تحولت إلى أمر سهل لدى الكثير من الشباب في الجزائر، من الحرق إلى الجرح ويصل الأمر حتى إلى الانتحار، وتعد هذه الأساليب مؤشرات على بوادر أعمال عنف عادة ما تشهدها العديد من محافظات الجزائر، تحولت إلى لغة مخاطبة بين الشباب وبعض المسؤولين من أجل تحقيق مطالبهم بعد حالة القنوط واليأس التي تُحبط معنوياتهم وتؤدي بهم إلى أسوأ السبل بالمخاطرة بالنفس وأذيتها وإلحاق الضرر بها.

ونبّه المختصون إلى أن الكثير من الشباب الذين يؤذون أنفسهم بتشويه أجسادهم يعبّرون عن رفضهم لواقعهم المرير وتجرعهم للبطالة الخانقة والفراغ القاتل وانعدام الاستقرار المادي والاجتماعي، فينفجر الشاب كالبركان ولا يعطف حتى على نفسه وعادة ما يكون التعبير عنيفا بإلحاق جروح بمناطق متفرقة من الجسد أو الوشم بطريقة تشد انتباه الكل كما يظهر رفض الشاب لواقعه من خلال العبارات النابية التي يطلقها أمام مرأى ومسمع الجميع بحيث يثور على كل ما من حوله وهي السيناريوهات التي تعيش على وقعها في كم من مرة الأحياء الشعبية.

وأشاروا إلى أن المظهر الخارجي لبعض الشبان يوحي بأن سلوكهم أو حالتهم الاجتماعية خاصة وأن البعض ينتهج أساليب تهدف إلى إخافة من حولهم من الناس وترهيبهم على غرار قصات الشعر الغريبة ووضع الوشم والأقراط وارتداء ملابس تشد الانتباه وكأنهم يحذرون غيرهم من عدم الاقتراب منهم.

21