تشيع نخاولة المدينة المنورة بين التاريخ والتوظيف السياسي

الاثنين 2014/07/14
العدد القليل لقبور الشيعة في مقبرة البقيع يدل على أنهم أقلية

الرياض- “نخاولة” المدينة المنورة هم مجموعة من سكان المدينة حاملي لقب النخلي وقد اختلف محللون وكتاب في تحديد أصول هذه المجموعة، فالبعض يرى أنهم ينتمون إلى الأنصار وهو ما ذهب إليه الكاتب حسن بن مرزوق الشريمي النخلي وألف بهذا الصدد كتابا بعنوان “النخاولة (النخليون) في المدينة المنورة- التكوين الاجتماعي والثقافي”، غير أن دراسة للمحامي محمد حمد الهوشان بعنوان “نخاولة المدينة المنورة.. الإفتراء على التاريخ” فندت ما تبناه بن مرزوق واعتبرت الأدلة التي استند عليها في نسب النخاولة للأنصار تعد من سبيل الافتراء على التاريخ.

النخاولة في المدينة المنورة يمثلون مجموعة مختلفة عن بقية المجتمع المديني لذلك مثلت جذورهم محور اختلاف بين عدد من المحللين، وأورد الكاتب حسن بن مرزوق في كتابه الذي سعى من خلاله للبحث في تكوينهم الاجتماعي والثقافي أن النخاولة ينتسبون للأنصار، وأنهم شيعة لأن أهل المدينة وما جاورها كانوا في الأصل شيعة وأن المماليك والأتراك فرضوا عليهم المذهب السني، غير أن النخاولة حافظوا على أصولهم الشيعية، لكن محمد حمد الهوشان رأى في هذه النظرية الرسالة الحقيقية التي يحملها الكتاب لأغراض خلص لأنها سياسية محضة.

اعتبر الهوشان هذا التصور بمثابة “كذبة كبرى”، واستند في ذلك إلى وقائع تاريخية تشير إلى أن المدينة المنورة تعرضت بالفعل إلى عديد الفتن التي طبعت تاريخ الأمة الإسلامية، وأكد أنها بالفعل خضعت إلى حكم الشيعة خلال فترات متعاقبة هي:

حكم الأخيضريين الشيعة (من 335 هـ إلى 350 هـ)، وحكم القرامطة (بين 350 هـ و359 هـ) ثم حكم الفاطميين الإسماعيليين (من 359 هـ إلى 463 هـ)، لكن تعاقب الحكم الشيعي على المدينة لا يمنع من الإقرار أن أهل المدينة كانوا ومنذ البداية من أهل السنة والجماعة، ودأبوا على جمع الأحاديث النبوية وبرز من بينهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس صاحب كتاب الموطأ، لكن السعي إلى “تشييع” المدينة بدأ مع خضوعها إلى الحكم الشيعي حيث فرض الأخيضريون ثم القرامطة والفاطميون أن يكون القضاء والإمارة والخطابة للحكام الشيعة، لكن عامة سكان المدينة حافظوا على دينهم الصحيح ومذهبهم الأصيل. واعتمد الهوشان على دليل أسماه شاهدا دامغا صامتا ليثبت أن أهل المدينة لم ينحرفوا يوما عن الخط السني وهو البقيع الذي يدفن فيه المدينيون موتاهم منذ عهد النبي مؤكدا أن المكان المخصص لموتى الشيعة يتمثل في ركن صغير جدا معزول عن بقية أجزاء البقيع.

وبالنظر لأنه مديني يقول الهوشان إنه عايش النخاولة في المدينة المنورة ويعرّفهم بأنهم أقلية من أصول أفريقية كما تدل عليه ملامحهم وأنهم كانوا يسكنون حوشا عرف باسمهم يقع في جنوب غربي المدينة ولهم حوش آخر في نهاية “زقاق الطيار” وأن عددا كبيرا منهم عمل في حقول النخيل التي عرفت بها المدينة، وآخرون مختصون في الحدادة في سوق صغير بجانب قصر آل الخريجي خلف مسجد الغمامة، كما تخصصوا في صناعة آلات البناء والزراعة وصناعة أواني النحاس الأحمر التي كانوا يبيعونها للحجاج الشيعة، فضلا عن غيرها من الحرف والصناعات.

وهو ما يتعارض تماما مع ما ذهب إليه مؤلف الكتاب بن مرزوق عن هوية النخاولة مستدلا في ذلك بمجموعة من البراهين منها أنهم ليسوا أقلية متجانسة بل هم أقلية من الشيعة أغلبهم من رجال القبائل الذين اختلطوا وتجانسوا ليكونوا قبيلة كبيرة، واعتمد في ذلك على بعض وثائق نقل ملكية بعض الأراضي الزراعية بين القبائل البدوية التي ورد فيها لقب النخلي، كما رجع إلى مواقع أحوشة ومساكن النخاولة التي تقع في أماكن كان يسكنها الأنصار من الأوس والخزرج. ويرى الهوشان أن هذه الحجة مجانبة للحقيقة حيث أن مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام كفيل بتغيير معالم وسكان أي بقعة من الأرض.

ويواصل الهوشان استعراضه لخصائص وعادات النخاولة، حيث أشار إلى كونهم عرفوا بانطوائهم على أنفسهم، لكن مساكنهم المتواضعة كانت مفتوحة للحجاج الإيرانيين والعراقيين من الشيعة، وهي فكرة أراد بها مزيد توضيح صلتهم بالشيعة.

السوق الصغير بجانب مسجد الغمامة بالمدينة مورد رزق لعديد من النخاولة

كما استذكر الهوشان قصة آخر زيارة أداها الملك عبدالعزيز آل سعود (1876 – 1953) إلى المدينة المنورة، اجتمع فيها مع أهل المدينة في محطة سكة الحديد، وفي الاجتماع تدخل متحدث باسم النخاولة، وطلب من الملك مساواتهم في الصدقة التي تردُ من مصر من ريع أوقاف الخليفة عمر بن الخطاب والتي دأبت التكية المصرية على توفيرها آنذاك، وكان من الملك عبدالعزيز أن ربط ذلك بضرورة تركهم للتشيع وأن يسجلوا رجوعهم عن المذهب الشيعي في المحكمة الشرعية، إلا أن النخاولة لم يمضوا في ذلك الاتجاه، ما يفيد تشبثهم بتشيعهم.

وفي سياق استعراضه للوضعية الاجتماعية للنخاولة في المدينة، أكد الهوشان أنهم لم يتزاوجوا قطّ مع الأسر البدوية التي تنتمي إلى القبائل العربية حتى لو كانت من الأقلية الشيعية في المدينة، أو مع السنة بشكل عام، ولذلك فإنهم لم يكونوا يوما جزءا من أية مجموعة سكانية متجانسة معطى أورده الهوشان، نفهم من خلاله تشبث النخاولة بتشيعهم من ناحية أولى وبما يضمره هذا المذهب من عداوة لأهل السنة يبررونها بموضوع الخلافة وتبعات قتل الحسين، وحرصهم على الانعزال والانطواء الاجتماعيين من ناحية ثانية، ويحملهم الهوشان مسؤولية تقوقعهم على أنفسهم التي يرى أنها تسببت في عدم انخراطهم في السنية وحالت دون اندماجهم في المجتمع المديني، ويخلص الهوشان إلى أنه لم يبق في المدينة اليوم من الشيعة سوى النخاولة وأسرتين أو ثلاث من المشاهدة.

وفنّد الهوشان فكرة أخرى سعى مرزوق إلى تقديمها وهي نسبة النخاولة إلى الأوس والخزرج، وكان دحض الهوشان قائما على أن كتاب بن مرزوق لم يورد دليلا أو سندا واحدا يؤكد ما ذهب إليه وادعاه، وحتى الوثائق التي قدمها على أساس أنها قرائن أو إثباتات فهي غير متعلقة بصلب الموضوع أو هي ادعاءات لا تمت للحقيقة بصلة، حيث يشير بعضها إلى وثائق انتقال ملكية بعض البساتين من أو إلى أشخاص يحملون لقب “النخلي” باطلة لأنه لم يحدث أن تملك فرد من النخاولة بستانا في المدينة. في حين تتصل “المستندات” الأخرى بإثبات تحالفات بين القبائل القاطنة في تخوم المدينة المنورة، وهي إثباتات ووثائق حررت في النصف الثاني من القرن الثالث عشر هجري. وكانت تلك التحالفات أمرا شائعا في ذلك العصر الذي شابته الفوضى وغياب الأمان.

الثابت – حسب تصور الهوشان – أن بحث النخاولة عن هويتهم لا يمكن أن يتم بادعاء الانتساب إلى الأنصار، وهو ادعاء يسهل تكذيبه وإبراز ضعف حججه في بلاد تقوم تركيبتها الاجتماعية على المعطى القبلي، وأن الحل الأمثل لتصويب وضع النخاولة يكمن في الرجوع إلى الإسلام الصحيح ومحاولة تصحيح وضعهم الديني الذي اعتبره مستوردا من الخارج تحديدا من إيران والعراق في علاقة بحركة الخميني والثورة الإسلامية التي تهدف إلى تحويل العالم الإسلامي إلى شيعة بدعوى أنه كان شيعيا ويجب أن يرجع كذلك.

واعتبر الهوشان أن كتاب بن مرزوق ليس إلا حلقة من حملة إعلامية ممنهجة تهدف لتمهيد الطريق أمام سيطرة إيران كدولة صفوية حديثة، ونصح النخاولة بالنأي بأنفسهم عن هذه اللعبة السياسية الخطيرة.

12