تشيلسي مانينغ ثلاثون وجها لسيدة ويكيليكس المتحولة جنسيا

السبت 2017/08/26
حالة تمرد على الغرب تعد من أهم أسباب انفجار الشرق

دمشق - السجن الموحش والظروف غير الإنسانية لم تثن تشيلسي مانينغ عن الإفصاح عن رغبتها التي ظهرت لديها منذ سن الخامسة، وهذه المرة ليس أمام والدها وإنما أمام الجميع “أريد أن أصبح فتاة”.

مانينغ التي تعتبر في السنوات الأخيرة من الشخصيات المثيرة للجدل يصفها البعض بأنها مهووسة بالشهرة والظهور، فيما يذهب بعض آخر، وهم مناصروها، إلى اعتبارها أهم ناشطة حقوقية إنسانية استطاعت الكشف عن جرائم حرب مروعة وإظهار الوجه الحقيقي لما يسمى “مكافحة الإرهاب” وما ترتكبه الولايات المتحدة الأميركية من مجازر بحجتها، بإفرادها لأوراق سياسية وعسكرية للسياسة الخارجية الأميركية أمام أعين العالم أجمع.

اللافت في شخصية مانينغ أنها تبدو كما لو أنها قامت بأفعالها دون تعمد أو تخطيط لتصبح هي ومحاكمتها موضع دراسة ومتابعة وغموض، بالإضافة إلى الخلل النفسي الناتج عن اضطراب في هويتها الجنسية، وهو ما جعل قضيتها أكثر تعقيداً وصعوبة.

ولدت مانينغ في ديسمبر من عام 1987 مذكّرة الجنس باسم “برادلي مانينغ” وعاشت في ولاية أوكلاهوما لأعوام. تتحدث عن طفولتها موضحة بأنها كانت تفضل ألعاب الفتيات، ولكن في المدرسة كانوا يجبرونها على اللعب مع الذكور ولكنها كانت عاجزة عن التفاعل واللعب معهم، وعند ذلك بدأ لديها التساؤل ما المشكلة؟ لمَ لا أستطيع أن أكون مثل الآخرين؟

قضت مانينغ مراهقتها بين أبوين مطلّقين، ثم عاشت وقتها مع والدتها وكان ذلك يشكّل لها مساحة من الحرية أكبر مقارنة بالحياة مع والدها الذي كان يجبرها على التصرف والعيش كرجل.

في تلك الفترة كانت تقضي وقتها في محاكاة حياة الفتيات وطريقتهن في الملبس والظهور ويشاع عنها في ذلك الوقت من عمرها أنها كانت ذات شخصية إشكالية وغريبة ومحط سخرية بين أصدقائها ولكنها ومنذ طفولتها كانت تتصف بذكاء ومهارة في عالم التكنولوجيا.

مانينغ في العراق

بعد أن أكملت مانينغ دراستها في الثانوية التحقت بالجيش في الولايات المتحدة في محاولة منها للتخلص من رغبتها بالتحول إلى امرأة وكان ذلك في العام 2007 لتبقى في الخدمة حتى سجنها في العام 2011.

في العام 2009 أرسلت مانينغ إلى العراق بمهمة محلل استخباراتي وكانت قد رفعت إلى مجنّد من الدرجة الأولى، أمضت فترة خدمتها في ثكنة على الحدود بين العراق وإيران، وفي شهر مايو من العام 2010 قامت بسرقة 700 ألف وثيقة دبلوماسية وعسكرية وأرسلتها إلى موقع ويكيليكس، مسببة بذلك حرجاً كبيراً للحكومة الأميركية.

احتوت التسريبات على معلومات وبرقيات دبلوماسية إضافة إلى معلومات عن حربي العراق وأفغانستان وفيديوهات لعمليات القصف، أبرزها فيديو بعنوان “كولاترال ميردر” والذي يصوّر قصف طائرة أميركية راح ضحيته مدنيون وأطفال ومصوّر من وكالة رويترز في بغداد. وقد صرحت مانينغ بعد العملية قائلةً إنه “مقارنة بضعف خوادم الإنترنت، وضعف تسجيل الدخول وضعف الاستخبارات المضادة كان الاقتحام مثالياً”.

سجنت تشيلسي في فرجينيا من قبل سلاح البحرية ووضعت في السجن مع ذكور، وقد تعرضت للكثير من التعذيب والمضايقات، ثم نقلت بعدها إلى قاعدة فورت ليفنوورث.

في العام 2013 وجهت 22 تهمة لمانينغ، لم تعترف سوى بـ10 منها، فيما بُرّئت من تهمة مساعدة العدو التي كانت موجهة إليها، وبعد المحاكمة حكم عليها بالسجن لمدة 35 عاماً. لكنها لم تستطع الانتظار لتغير حياتها فخرجت في اليوم التالي لحصولها على الحكم على شاشة إحدى القنوات لتصرّح بأنها أنثى وبرغبتها بعلاج هرموني أثناء سجنها، وفي أبريل عام 2014 حصلت تشيلسي على الاعتراف بها كامرأة من الناحية القانونية.

مانينغ تبدو كما لو أنها قامت بأفعالها دون تعمد أو تخطيط لتصبح هي ومحاكمتها موضع دراسة ومتابعة وغموض، بالإضافة إلى الخلل النفسي الناتج عن اضطراب في هويتها الجنسية، وهو ما جعل قضيتها أكثر تعقيدا وصعوبة

اضطراب الهويات

عانت مانينغ منذ طفولتها من اضطراب في هويتها الجنسية، فقد صرّحت في أكثر من مكان بأنها تشعر بذاتها فتاة، كان هذا الصراع الدائم بين شعورها الداخلي والجسد الذي ولدت به كذكر يسبب لها الكثير من المشاكل في علاقاتها الاجتماعية وحياتها الخاصة.

في سن الخامسة رفض والدها طلبها برغبتها في التحول إلى فتاة وعاشت مكرهة حياة الذكور، التحقت بالجيش لتتخلص من رغبتها بالتحول لامرأة ظناً منها بأن عالم القوة هذا قد ينسيها طبيعتها الداخلية ويدخلها في عالم الرجال. إلا أن ذلك لم يفلح معها فبينت تصريحاتها في الفترات الأخيرة قبل تسريبها للوثائق عن تزايد تأثير الخلل النفسي الذي تعيشه بسبب طبيعتها المزدوجة وكانت في ذلك الوقت تعرف بأنها مثلية الجنس.

من الواضح أن مانينغ لم تجد الفرصة والمال الكافيين للخضوع لعلاج هرموني أو عملية تحويل جنسي فبقيت كذلك حتى محاكمتها وسجنها، ثم ظهرت مفاجأة العالم لتصرح “أنا تشيلسي أنا امرأة”، وبدأت بالعلاج الهرموني معتمدة على تأمينها الصحي والذي تم توقيفه في العام 2016 لتبدأ بالعمل على تأمين صحي خاص بها.

وبالرغم من التحول الجنسي الذي خضعت له إلا أن محركات البحث على الإنترنت تظهر صورة واحدة فقط بالأبيض والأسود لها وهي امرأة، فيما توجد صور أخرى لبرادلي مانينغ الرجل.

وبالرغم من اعتبارها خائنة وتجريمها بخرق القوانين الأميركية إلا أنها لاقت تعاطفاً ودعماً كبيرين من المجتمع الأميركي بسبب إشكالية حالتها.

وفي معرض في مانهاتن تم عرض ثلاثين وجهاً محتملاً لتشيلسي وذلك قبل عملية التحول، وهو معرض قامت به الفنانة هيثر دوي هاثبورغ، بالتقنية ثلاثية الأبعاد وقد

استخدمت في عملها الحمض النووي لتشيلسي، مبينة في المعرض التنوع والاختلاف الذي يحتويه هذا الحمض والإمكانيات المحتملة لشكل تشيلسي الذي ترغب بالعيش فيه، معتبرة بأن علم الوراثة والجينات ليس هو المسؤول الأخير والوحيد عن هذا الشكل.

ما بعد السجن

حالات التحول الجنسي تتشابه مع حالات تسريب الوثائق العسكرية، وكلا الموضوعين يعتبر تابوهاً يحظر الكلام عنه. فالجميع يعلم أن داخل تيشلسي فتاة والجميع يعلم أن القوات العسكرية الأميركية ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان، كل من الحالتين يمثل حقيقة “بغيضة” يرفض المجتمع الاعتراف بها، إن الفعل السياسي لتشيلسي والفعل الوجودي يواجهان نفس النظام القمعي بشكليه السياسي والاجتماعي.

22 تهمة توجه لمانينغ لم تعترف سوى بـ10 منها، فيما برئت من تهمة مساعدة العدو التي كانت موجهة إليها، وبعد المحاكمة حكم عليها بالسجن لمدة 35 عاما. لكنها خرجت في اليوم التالي لحصولها على الحكم لتصرح بأنها أنثى

قضت تشيلسي في السجن سبع سنوات، وأفرج عنها قبل إتمامها لفترة محاكمتها وهي 35 عاماً، وذلك بعد تقديمها طلبا بالتخفيف من مدة عقوبتها، بعد اعتذارها عمّا فعلته وتصريحها بأنها لم تدرك سوء نتائج عملها وبأنها كانت فقط ترغب في وضع السياسة الخارجية الأميركية موضع نقاش.

لم يستجب أوباما لطلبها فأصدر قراراً بالإفراج عنها قبل انتهاء ولايته بثلاثة أشهر. في السجن حاولت الانتحار مرة بسبب معاناتها من اضطرابها النفسي لتضرب بعدها عن الطعام حتى تم قبول طلبها بالخضوع للعلاج، ووضعت تحت مراقبة شديدة خوفاً من محاولتها الانتحار مرة أخرى.

مانينغ ذات الثلاثين عاماً فتاة عاشت حياتها كرجل وامرأة في وقت واحد، وكانت المسؤولة الأولى عن أكبر عملية تسريب للمعلومات في تاريخ الولايات المتحدة، تعيش الآن في نيويورك بعد أن عاشت ثلاثة عقود من عمرها في صراع نفسي شاق وعنيف، استخدمت حالتها واضطراب الهوية الذي تعانيه من قبل أعضاء هيئة الدفاع في المحكمة معتبرين بأنه أدى إلى اضطراب عقلي لديها.

لقد كانت فتاة بجسد رجل وعانت من اضطراب في الهوية الجندرية رافقه سلوك تمييزي ضدها من قبل الوسط المحيط ورفض لهويتها المثلية أثناء خدمتها العسكرية.

الإحساس بالظلم والاضطهاد لدى تشيلسي كان أحد الأسباب التي دفعتها لكشف السياسات الأميركية التي راح ضحيتها أطفال ونساء وصحافيون، وكانت ردة فعل واشنطن هي الاستمرار في محاصرة تشيلسي ومحاكمتها لكشفها الحقيقة.

إن الأسباب الشخصية التي دفعت تشيلسي لتسريب الوثائق والأسباب الإنسانية تمثل بشكل مقصود أو غير مقصود حالة من رفض الكواليس العسكرية والاستخباراتية الأميركية، ومحاولة لمواجهتها وفضحها على المستوى الدولي، وحتى الآن فإن الولايات المتحدة أفرجت عن تشيلسي لأسباب صحية وغيرها، دون الاعتراف بحق كشف الحقيقة حتى إن كانت متعلقة بالمعلومات العسكرية، فحالة مانينغ والكثيرين غيرها تمثل شكلاً من أشكال المواجهة الأميركية الداخلية بين الحقيقة وسجانيها.

انتهت قضية تشيلسي بتغير جذري في حياتها، في الوقت الذي بقيت فيه وثائق ويكيليكس مأخذاً على السياسة الأميركية حتى هذا الوقت، ويذهب البعض إلى اعتبار هذه الوثائق سبباً في تغيرات كبيرة في آليات التعاطي مع السياسة الأميركية، فيما يعتبرها دينفر بنكس كاتب سيرة حياة تشيلسي أحد الأسباب في قيام” الربيع العربي” في الشرق الأوسط.

14