تصادم التكتيك والاستراتيجية في الأزمة الليبية

تفاهم أردوغان-السراج، والتركيز على متابعة التسلل الروسي، يمكن أن يقلبا الطاولة عليهما، ويحوّلا تكتيك الطرف الرافض إلى استراتيجية تستطيع التعامل بواقعية مع الأزمة.
الاثنين 2019/12/09
تلاقي المصالح وتنافرها أعاق التوصل إلى تسوية سياسية

تترقب جهات كثيرة ما يمكن أن يسفر عنه التسخين الحاصل بين الولايات المتحدة وروسيا في ليبيا، والذي أثار علامات استفهام وتكهنات بعيدة حول أسباب استمرار تعثّر التسوية السياسية للأزمة، وإخفاق الكثير من المبادرات في حلحلتها طوال السنوات الماضية.

كشفت تلميحات متعددة عن اقتراب موسكو من الساحة الليبية، وبدا ميل القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إلى عدم استبعاد وجود دور للدفاعات الروسية في إسقاط طائرة دون طيار أميركية قرب طرابلس في 21 نوفمبر الماضي، كأنه يسكب المزيد من الزيت على النار في ليبيا التي بدأ الحديث فيها يتواتر حول وجود مقاربات خفية تتبناها موسكو لإدارة الأزمة بما يعزز نفوذها في جنوب المتوسط.

بدأت بعض وسائل الإعلام الغربية تلتفت إلى هذه المسألة، منها مقال مهم كتبه الصحافي أحمد أبودوح في صحيفة الإندبندنت الأربعاء الماضي، عن اتجاه الرئيس فلادمير بوتين إلى الاهتمام بالحرب في ليبيا كجزء من هدفه لتقويض حلف شمال الأطلسي (ناتو). بصرف النظر عن النتائج التي تمخضت عنها قمة الناتو في بريطانيا، الثلاثاء والأربعاء، بشأن الليونة من موسكو، فإن تحركات الأخيرة تسعى إلى فرض النفوذ في الكثير من الأماكن التقليدية لدول الناتو، ولم تكن ليبيا غائبة عن هذه الحسابات لوجود فراغ في القوة الصلبة والقادرة على فرض الهيمنة العسكرية والسياسية.

تموج الساحة الليبية بفائض كبير من القوة العشوائية، وتتصارع الكثير من الدول بشكل مباشر أو غير مباشر عبر قوى محلية ومن خلال حرب يدور جانب من رحاها بالوكالة. بعضها يتخذ شكلا نظاميا مثل الجيش الوطني الليبي ويقوده المشير خليفة حفتر. والبعض الآخر يتخذ شكل كتائب وميليشيات وعصابات مسلحة، ولا أحد منهم نجح في فرض كلمته النهائية.

وضعت قوى إقليمية ودولية عيونها على ليبيا، وتابعت الكثير من تفاصيل الأحداث عن كثب، منها من يمسك بخيوط أمنية وسياسية مهمة ويتصارع على مناطق النفوذ. ومنهم من يغيّر عطاءاته بين المتنازعين، فهناك من انفتح على قوى متباينة ومتعارضة ويدعم هؤلاء وهؤلاء ليضمن له مقعدا بجوار الفريق الرابح، إذا قدّر للحرب في ليبيا أن تضع أوزارها.

انشغلت قوى كثيرة بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية. ووفّر البعض صمامات أمان في المناطق التي يريدها ولم يعبأ بمصير الأزمة وانعكاساتها الإقليمية، وربما أبدى هؤلاء اهتماما بما جرى ويجري من ترتيبات لحلها لعدم التفريط في مكاسبهم، أو منع آخرين (تركيا مثلا) من التقدم في منطقة بعيدة عن المعايير التي تحددها الجغرافيا السياسية.

تلاقي المصالح أو تنافرها في ليبيا ساهم في تغيير الكثير من التوازنات، وأعاق التوصل إلى تسوية سياسية بعد أن غابت عنها الرغبة والإرادة والعزيمة الحقيقية. وسادت لدى البعض فكرة الحضور على الطاولة بأي تمثيل مشرف.

في ظل تزايد الانسداد وفقدان القدرة على إنجاز تقدّم يمكن البناء عليه، تعمقت الخلافات وتضاربت الاجتهادات. وبدت إدارة الأزمة تتّجه نحو خلق المزيد من العراقيل، ومضاعفة الأزمات الفرعية والهامشية، وردم الثغرات التي تطيل القضية ولا تسد فراغاتها السياسية.

تبدو الحصيلة التي وصلت إليها التحركات الألمانية لعقد مؤتمر دولي لحل الأزمة الليبية متشائمة وكاشفة من نواح عدة. فالقمة الدولية المرجوّة تواجه تحديات كبيرة ولا أحد يعرف أهدافها أو موعدها بالضبط، ومن هي الجهات المحلية التي سوف تمثل في المؤتمر أصلا؟ وهل يمكن صياغة مخرجات قابلة للتنفيذ؟

تفرغت قوى كثيرة لتكتيل التحالفات مع جهات داخلية وخارجية، وبذل كل منها جهدا مضنيا في رسم السياسات العامة وتحديد الأولويات، حسب طبيعة كل مرحلة للدرجة التي تقاربت فيها فرنسا مع إيطاليا بعد صدام، عندما وجدتا ألمانيا تستعد للقفز على الأزمة وتحاول جني ثمار سياسية واقتصادية من ورائها، وانحصر جل اهتمامهما في وضع رؤية لعدم تخطي المصالح التي راكمها كلاهما السنوات الماضية.

تضخمت الهوة بين الأطراف الإقليمية والدولية، عقب توقيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق فايز السراج، مذكرتي تفاهم بحري وعسكري في إسطنبول الأسبوع الماضي. فقد رمت هذه الخطوة حجرا كبيرا وسط التجاذبات التقليدية، ولفتت الانتباه إلى أن العقم ربما يؤدي إلى أزمات استراتيجية.

ثمة من تعامل مع هذا التحرك في سياق المناورات التي يقوم بها أردوغان والسراج للدفاع عن المصالح. فالأول يريد تثبيت أقدامه في ليبيا، وتأكيد دوره في منظومة شرق البحر المتوسط التي تتشكل بعيدا عن بلاده. والثاني يسعى إلى الاعتماد على حليف قد يمكّنه من عدم مغادرة الساحة السياسية، ويحاول الصمود لمواجهة العواصف العاتية، ويكون له مقعد على مائدة مؤتمر برلين الذي لا يعرف كثيرون وجهته العملية.

وهناك من تعامل مع تحرك أردوغان-السراج بالنفخ فيه سياسيا كأنه جرس إنذار لتغيير كبير في هيكل اللعبة ومستقبلها داخل ليبيا. ورأى أنصار هذا الفريق فيه تحوّلا لقواعد أرسيت على مدار السنوات الماضية، أي منذ إسقاط حلف الناتو نظام معمر القذافي، وما تلاه من توزيع للمغانم قصيرة الأجل على قطع من الشطرنج تتحرك غالبيتها بمعرفة أيادٍ خارجية.

بالفعل حرّكت قوى إقليمية ودولية بعض القطع في ليبيا بطريقة تضمن لها الوجود في الوقت الراهن، ولم تستبعد امتداد اللعبة في إطار تكتيكي، لأن من انخرطوا فيها افتقروا منذ البداية إلى الشكل الاستراتيجي، حتى الولايات المتحدة لم تملك رؤية واضحة للتعاطي مع المستجدات.

بدأت واشنطن تنتبه للأمر بجدية وتحذّر الأوروبيين عندما شعرت أن الدب الروسي يتوغل في المياه الدافئة، ولم يكتف بالتواجد على شواطئ سوريا في شرق البحر المتوسط بل يريد اللحاق بجنوبه من بوابة ليبيا، مستفيدا من الفوضى التي تعمّ مناطق كثيرة فيها، ومستغلا غياب التفكير الاستراتيجي لدى الخصوم الحاليين والمحتملين.

يبدو أن موسكو تريد إعادة تكرار نموذجها في سوريا الذي حقّق نجاحات بالتفاهم مع تركيا، وإن كانت هناك خلافات نشبت بينهما في بعض القضايا فهي لم تخرج عن الإطار التكتيكي، لكن في النهاية يعود الطرفان إلى التوافق في القضايا الكبرى. وأكد التدخل التركي في شمال شرق سوريا، وما أعقبه من تطورات مع موسكو أن العلاقة وصلت إلى مرحلة تقاسم المغانم بالتراضي.

اعتمدت الفكرة على توزيع الأدوار بين السلطة الحاكمة في دمشق والمعارضين لها في مدن أخرى. وكرّست موسكو احتضانها لنظام بشار الأسد حتى عبرت به إلى ما يشبه بر الأمان. ورسخت أنقرة دورها كراعية لجزء مهم في المعارضة، بوجهيها المدني والإسلامي.

أفضى النجاح في سوريا إلى عدم التغافل عن ليبيا، وربما تكون الثانية أسهل بحكم تراكم الخبرة في الأولى والقدرة على تحاشي الأخطاء التي تيسر عملية تمرير السيناريو الجديد بتكلفة أقل. فموسكو تميل، في الظاهر، إلى فريق حفتر، وأنقرة تعمل في العلن مع السراج كممثل للفريق المناهض لحفتر. من هنا يمكن أن يلتقي الطرفان، ويتم توزيع الأدوار بما يؤدي إلى النتيجة التي يتفاهمان عليها، ونقل رقع الشطرنج بما يريحهما.

يفترض الاستنتاج السابق أن القوى الأخرى سوف تقف متفرّجة على ما يجري بين موسكو وأنقرة من توزيع محكم للأدوار. لكن تفاهم أردوغان-السراج، والتركيز على متابعة التسلل الروسي في ليبيا، من الممكن أن يقلبا الطاولة عليهما، ويحوّلا تكتيك الطرف الرافض إلى استراتيجية تستطيع التعامل بواقعية مع الأزمة الليبية.

9