تصادم متوقع مع الدولة في رحلة بحث إخوان الأردن عن موقع

قرر إخوان الأردن المشاركة في الانتخابات النيابية المنتظرة خلال الأيام القادمة، وذلك في سياق خيار الدخول في مواجهة مع السلطات وتصفية حسابات سياسية مع الأحزاب الأخرى، بالرغم من غلق مقرات حزب جبهة العمل الإسلامي الذراع السياسية لجماعة الإخوان نظرا لمخالفتها القانون الأردني الذي يمنع قيام أحزاب على أساس ديني، وهذه الخطوة تنبئ حسب مراقبين بتطورات جديدة في المستقبل.
الجمعة 2016/09/16
سياسة الصراخ المتواصل

عمان- تشكل مشاركة حزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الاخوان المسلمين في الأردن، تحديا للدولة التي تحاول استعادة ثقة الشارع عبر الانتخابات، واختبارا للجماعة التي قاطعت الانتخابات لنحو تسعة أعوام وتحاول إعادة بناء شرعيتها عبر البرلمان.

هذا التكتيك الجديد الذي تريد الجبهة من خلاله إيجاد موطئ قدم لها عنوة رغم الحظر القانوني، يعكس مدى حاجة الإخوان في الأردن إلى تحويل تركزها في بعض المناطق إلى قوة سياسية معبرة داخل البرلمان، والهدف الأول هو إعادة فتح المقرات التي أغلقتها السلطات الأردنية بقرار قضائي صدر في أبريل الماضي، والثاني هو اللعب على تغيير القوانين السياسية والانتخابية.

مناورة سياسية

يقول مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي إن الدولة تواجه اختبارا يتمثل في أن “جماعة الإخوان المسلمين اختارت المشاركة في الانتخابات بكامل قوتها بعد كل السياسات والإجراءات التي اعتمدتها الدولة ضدها”. وربما يعكس هذا الاختيار نية لدى الإخوان في الدخول في مواجهة مع المنظومة التي رفضت وجودهم في المشهد السياسي الأردني، لأن الواقع الأردني لا يحتمل المزيد من التعقيدات التي ربما يسببها حزب جبهة العمل الإسلامي.

الانتخابات القادمة سوف تظهر الإخوان على حقيقتهم أي أنهم تيار ديني يمارس السياسة عوض أن يكون حزبا مدنيا

ويؤكد خبراء أن الانتخابات اختبار يواجه الجماعة، فقد دخلت معركة الانتخابات بعد قطيعة طويلة وحملة شديدة عليها وانشقاقات داخلية، فالجماعة تريد خوض الانتخابات والحصول على تمثيل في البرلمان لتعيد بناء شرعيتها عبر بوابته وتوفر لنفسها قنوات تواصل واتصال مع الدولة بعدما سدت النوافذ والقنوات.

وقرر حزب جبهة العمل الإسلامي في يونيو الماضي المشاركة في الانتخابات المقررة الثلاثاء المقبل. وبدأ التوتر بين جماعة الإخوان والسلطات الأردنية مع بداية الانتفاضات في دول عربية عدة في ربيع 2011. وتأزمت العلاقة بين الجماعة والسلطات أكثر بعد منح الحكومة ترخيصا لجمعية تحمل اسم “جمعية الإخوان المسلمين” في مارس 2015 وتضم العشرات من المفصولين من الجماعة الأم.

وكان الإخوان المسلمون في الأردن قد قاموا بأخطاء سياسية وتنظيمية عديدة جعلت من الشارع يتوجس أكثر من الجماعة، خاصة وأن ارتباطاتها التنظيمية على المستوى الدولي أصبحت علنية بعيد أن وصل إخوان مصر إلى السلطة. وقد تراجع إخوان الأردن عن ذلك بأن أعلنوا في فبراير الماضي عن فك الارتباط (ظاهريا) بتنظيم الإخوان الأم في مصر وذلك بعد العديد من الضغوط.

واتهمت الحركة الإسلامية السلطات بمحاولة شق الجماعة التي تشكل عبر جبهة العمل الإسلامي، المعارضة الرئيسية في البلاد. واعتبرت السلطات أن الجماعة الأم باتت غير قانونية لعدم حصولها على ترخيص جديد بموجب قانون الأحزاب والجمعيات الذي أقر عام 2014، فأغلقت العشرات من المقرات للجماعة بالشمع الأحمر، ولكن مراقبين أكدوا أن إصرار إخوان الأردن على إبقاء حزبهم وفق صيغة غير قانونية وهي “قيام حزب سياسي على أساس ديني” هو السبب في تنفيذ الحكم القضائي الذي طبق القانون.

محمد أبورمان: مشاركة حزب جبهة العمل الإسلامي ستمثل تحديا كبيرا واختبارا للدولة

ويقول محمد أبورمان من مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية “هذا اختبار مهم وخطير للدولة، فمشاركة حزب جبهة العمل ستمثل تحديا كبيرا بعد غياب طويل لما له من ثقل شعبي وما يمثله من صوت معارض للسياسات الرسمية عموما”. ويضيف “كيف ستتعامل الدولة مع هذا الواقع؟ هل ستصر على مصداقية عملية الإصلاح وانتخابات نزيهة لتحمي سمعتها وتأتي ببرلمان يمثل مختلف الأطياف، بينها المعارضة أم أن الصراع مع الحركة والتوق إلى الإطاحة بها سيتغلبان على حسابات الدولة، فتخسر كل شيء من أجل مكاسب جزئية؟”.

ربما يكون تصريح أبورمان تحذيرا لحزب جبهة العمل الإسلامي، لكن الاتجاه العام لسياسة الحزب يشير إلى أن الصدام بات وشيكا. وأكد أبورمان أن “مشاركة الحزب نيابة عن جماعة الإخوان المسلمين الأم، بمثابة اختبار كبير ومفصلي للحركة الإسلامية”.

ويؤكد رئيس الهيئة العليا للانتخابات في حزب جبهة العمل الإسلامي بني إرشيد “ما يهمنا هو أن تمضي الانتخابات بشكل نظيف دون معوقات أو تدخلات أو تزوير”. ويضيف “ما يعنينا هو ان ينتهز الأردن فرصة قد تكون الأخيرة لاستعادة ثقة المواطن بالانتخابات وبالمؤسسات الرسمية”، مؤكدا أن “أكبر التحديات التي نواجهها هو فقدان الثقة بالعملية الانتخابية”.

هذا التصريح الصادر عن مسؤول في التنظيم الإخواني يخفي وراءه شيئا من المناورة السياسية، التي أصبح الشارع الأردني معتادا عليها خاصة في ما يتعلق بنشاط جماعة إخوان الأردن. فالتقدم للانتخابات يعيد إلى الأحزاب سلسلة من المشاورات الطويلة التي قام بها الإخوان مع الأطراف من أطياف مختلفة خاصة القوميين كي لا يمر القانون الانتخابي الحالي، ولكن القانون تم تمريره، والآن يريد الإخوان رغم كل ذلك لعب دور الضحية مرة أخرى.

فرص جيدة للإخوان

قاطع حزب جبهة العمل الإسلامي انتخابات عامي 2010 و2013 احتجاجا على نظام “الصوت الواحد” بشكل رئيسي و”التزوير” في الانتخابات، بحسب ادعاء الحزب. وكان يعمل بنظام الصوت الواحد المثير للجدل منذ التسعينات، وهو ينص على صوت واحد للناخب لاختيار مرشح واحد. وأقرت الحكومة في 31 أغسطس الماضي مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي ألغى الصوت الواحد وخفض عدد مقاعد مجلس النواب إلى 130. ويتيح النظام الجديد للناخب التصويت لأكثر من مرشح ضمن نظام القائمة النسبية المفتوحة.

الانتخابات اختبار يواجه الجماعة، فقد دخلت معركة الانتخابات بعد قطيعة طويلة وحملة شديدة عليها وانشقاقات داخلية

يخوض التحالف الوطني للإصلاح الذي يقوده حزب جبهة العمل الإسلامي الانتخابات بـ20 قائمة و120 مرشحا بينهم شخصيات عشائرية وسياسية ومرشحون مسيحيون وشركس. ويقول بني إرشيد “نحن معنيون بانتخابات نزيهة تفرز إرادة حقيقية للشعب أيا كانت النتائج”. وحصل حزب جبهة العمل الإسلامي في انتخابات عام 1989 على 22 مقعدا من أصل 80 في مجلس النواب. لكن توقعات الخبراء تشير إلى أن الإخوان لن تكون لهم فرص كبرى في الوصول إلى البرلمان لأن ترشحهم سوف يستدعي تدخل الدولة والسلطات، وهذا ما سيجعل من فرص صعودهم ضئيلة.

ويضيف محمد أبورمان في هذا السياق “صحيح أن انشقاقات حدثت في الجماعة، لكن ذلك لم ينل من قاعدتها الاجتماعية والشعبية خصوصا في المدن الكبرى”، معتبرا أن “ما يخدم الجماعة في هذه الانتخابات غياب بدائل سياسية قوية في المشهد السياسي”. ويتفق الرنتاوي مع أبورمان على أن “الجماعة اختارت المشاركة رغم كل القيود والمصاعب وستحصل على عشرين مقعدا، وربما أكثر أو أقل، ما سيجعلها أكثر قوة سياسية ممثلة بالبرلمان”. ولكن يرى مراقبون أن هذه الانتخابات سوف تظهر الإخوان على حقيقتهم، أي أنهم تيار ديني يقوم بالمشاركة في المجال السياسي عوض أن يكونوا حزبا مدنيا غير قائم على أسس دينية كما ينص القانون على ذلك.

ويشير أبورمان إلى أن حملة مرشحي الإخوان المسلمين “غير حزبية بالكامل وفتحوا قوائمهم على شخصيات وتيارات مختلفة وهي حملة غير محكومة بخطاباتهم وشعاراتهم السابقة”، متحدثا عن “أداء مغاير للجماعة”، ومعربا عن أمله “في أن تكون تغيرات جذرية وليست تكتيكية مؤقتة”، لكن ذلك لا يعدو أن يكون سوى مناورة كي تتمكن الجماعة في درجة أولى من الترشح ثم تتغير السلوكات.

6