تصادم مشروعي التسوية والحرب يعيق تفكيك الأزمة الليبية

أنصار السلام يعملون على ضبط الأوضاع في ليبيا قبل أن تحدث مفاجآت في تونس وترتفع حظوظ فوز مرشح حركة النهضة في انتخابات الرئاسة بما قد يصعّب السيطرة على الإسلاميين في المنطقة لاحقا.
الأحد 2019/09/01
يطيل التصادم بين المشروعات السياسية والعسكرية أمد الحروب ويؤدي إلى فشل المحاولات الرامية لوقفها

سواء أكانت استقالة فايز السراج من رئاسة حكومة الوفاق، الثلاثاء الماضي، حقيقية أم مزورة وجرى دسها على حسابه الخاص على تويتر أم تراجع عنها، ففي كل الحالات أكد الخبر عمق أجواء الارتباك السياسي الذي يعيشه السراج وحلفاؤه من المتطرفين والكتائب المسلحة والقوى الإقليمية، لأن من سربوا فحوى الاستقالة ومن نفوها تركوا انطباعات بأن فريقه لن يستطع إخفاء مكابداته بعدما تقلصت مساحات الحركة السياسية والأمنية والاقتصادية أمامـه وأن شيئا ما كبيرا قد يحدث في الفترة المقبلة يفضي إلى خروج شخصيات من المسرح الليبي ودخول أخرى بما يقلب الطاولة رأسا على عقب.

وألمحت بعض المصادر بأن هناك تغييرا قادما في التوازنات لدى بعض الأطراف التي لعبت دورا سلبيا في الأزمة الليبية، وأن دولة مثل تركيا لن تستطيع مواصلة دعمها الكبير للسراج والمتطرفين الإسلاميين بعدما تكبدت خسائر كبيرة، وستجبرها الطريقة التي تعاملت بها مع قوى لها مصالح استراتيجية في ليبيا على تبني خيارات بديلة.

لم تتبلور معالم نهائية بشأن بعض الحوارات والإشارات الخفية، لكن الضغوط التي يتعرض لها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ستضطره إلى التحلل قليلا من ورقة ليبيا، بعدما أثبتت له الجغرافيا السياسية القريبة والبعيدة أنه قد يصبح لقمة سائغة لكثير من خصومه.

يطيل التصادم بين المشروعات السياسية والعسكرية أمد الحروب ويؤدي إلى فشل المحاولات الرامية لوقفها، وتجد بعض الأطراف أن مصلحتها في تغليب الأولى فتدفع نحو الوصول إليها، بينما ترى أطراف أخرى أن أهدافها تتحقق مع استمرار المعارك فتعمل على تغذيتها والتنصل من مساعي التهدئة كي تميل الدفة لصالح من يقفون خلف تأييد الحرب على حساب السلام.

جسدت الأزمة الليبية هذه المعادلة في صورتها المحلية، مثل غيرها من الأزمات المنتشرة في المنطقة. ولن تتوقف ما لم يحسم المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي سيطرته على مقاليد الأمور في العاصمة طرابلس قريبا. ففي ظل عمليات الكر والفر ستبقى الأمور معلقة. وهو ما تدركه حكومة الوفاق القلقة برئاسة فايز السراج، ومجلس الدولة المؤدلج برئاسة الإخواني خالد المشري، ومن لف لفهما من القوى السياسية والحركات المسلحة.

يعارض السراج والمشري طرح التسوية السياسية في اللحظة التي تميل فيها الكفة لصالح الجيش الليبي، وأثارا الزوابع أخيرا وألقيا الاتهامات جزافا، وهما يعملان على عرقلة أي مشروع جاد بشأن التسوية من خلال ضخ المزيد من الأموال في شرايين الحرب التي تشارك فيها ميليشيات وعصابات منظمة وإرهابيون ومتطرفون ومرتزقة. ويدركان أن الموافقة على ذلك تعني إقرارا ساحقا بالهزيمة وخروجا واضحا من المكونات الجديدة.

تبدو الصيغة السابقة مفهومة لدى غالبية المتابعين للأزمة وليست قاصرة على دولة بعينها. لكن ما تتفوق فيه ليبيا حاليا أن التصادم بين مشروعي التسوية والحرب كانت ترتاح له قوى إقليمية ودولية، ولكل طرف أسبابه التي تدفعه إلى تأييد هذا المشروع أو ذاك.

ربما تكون الأهداف الظاهرة متقاربة بين الداخل والخارج، لكن الأدوات المستخدمة يتم تسويقها متباعدة في المضامين. الأمر الذي يفسر صعود أحاديث السلام في وقت لا يزال ضجيج المعارك مستمرا، ولم تظهر المعالم القاطعة التي توحي بالاستسلام أو وقفها.

لتبسيط المشهد وتقريبه بشكل أوضح، يمكن التوقف عند الخطاب السياسي المفاجئ الذي تبنته مصر بطرح ما يمكن وصفه بالسلام الشامل، والذي لم يكن ليطرح ما لم تتوافر لديها تقديرات تدعمه، أو على الأقل تحريك المياه الراكدة في هذا النهر، حيث طالبت الشهر الماضي بعدم الاعتراف بجميع الأجسام السياسية في ليبيا، باستثناء مجلس النواب في طبرق، باعتباره الوحيد الذي يحظى بشرعية دستورية، ما يعني انتظار صدور قوانين وتشريعات صادمة، وطالبت بإعادة النظر في توزيع الثروة، وشددت على أهمية دور الأمم المتحدة.

توالت الخطابات بعد ذلك بشكل فردي وجماعي لتأييد تسوية سياسية ما في ليبيا. وعكست قمة الدول السبع في فرنسا مؤخرا المعاني الدالة على ذلك، لكن لم تعرج تفصيليا إلى آليات التطبيق العملي من قريب أو بعيد.

يجد الراغبون في التعجيل بتدشين خارطة طريق سياسية الفرصة مواتية في ظل الضربات القوية التي منيت بها الكتائب المسلحة، وحرمان حكومة الوفاق من المزايا العسكرية التي كانت تمتلكها على مسرح العمليات من قواعد تمركز للطائرات المسيرة ومخازن للأسلحة

جاءت تصريحات من واشنطن وباريس وروما وغيرها، تؤكد على هذا المعنى بطرق مختلفة. ورشحت معلومات حول عقد لقاءات مهمة بشأن الأزمة الليبية على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر شهر سبتمبر الجاري. لكن حتى الآن لم تضع هذه التوجهات النقاط على الحروف.

أطلقت هذه التطورات العنان للخيال السياسي، لكنها فرملته أيضا لأن المسألة ما زالت فضفاضة في مجملها. كل طرف يستشف ما يريده. من يسعون نحو السلام ينتابهم شعور بالغبطة بسبب عودة تداول الحديث عن التسوية. ومن يعملون للحرب يتملكهم إحساس بالرضا، لأن الكلام عن السلام لم يتبلور في خطة دولية، ما يعني ترحيل الحسم إلى أجل غير مسمى.

يكشف التردد العام في التسوية وعدم وقف المعارك بقرارات صارمة يتم الانصياع لها وتنفيذها بالقوة فورا، أن بعض الجهات تصمم على بقاء حالة التذبذب الراهنة على ما هي عليه إلى حين تحقيق تطور نوعي ينهي الفصل الطويل من المشروعات التي تتجاوز حدود ليبيا وأزمتها. فغالبية المتقاتلين ومن يقفون خلفهم لديهم مآرب لتعطيل التسوية والدفع نحو الحرب.

يتحسب الفريق الراغب في التسوية من أن التوقف التام للحرب سيحتاج وقتا إضافيا، لأن العصابات المسلحة تتغذى على استمرار الصراعات، بالتالي يجب تبني مبادرة تجبر هؤلاء وأنصارهم من الدول والمؤسسات الرسمية على الرضوخ لمشروع سلام يتكفل بالقضاء على الميليشيات والإرهابيين ويقطع الطريق على توسيع الاعتماد على المرتزقة في المنطقة. فقد فتح طول الأزمة الأمل لإحياء مشروع مناهض للأمن والاستقرار الإقليمي، يتبناه التيار الإسلامي.

يعمل أنصار السلام على ضبط الأوضاع في ليبيا قبل أن تحدث مفاجآت في تونس ويفوز مرشح حركة النهضة في انتخابات الرئاسة، بما يصعّب السيطرة على الإسلاميين في المنطقة لاحقا، فقد فهم من يكرسون الفوضى أنها عصية على الضبط، كما أن القوى الفاعلة على المسرح الدولي غير معنية كثيرا بذلك، طالما لم يتم إلحاق الأذى بمصالحها في ليبيا الخاصة بتصدير النفط والغاز، وعدم ترك طوفان الهجرة والإرهاب يعبر الضفة الأخرى من المتوسط.

يجد الراغبون في التعجيل بتدشين خارطة طريق سياسية الفرصة مواتية في ظل الضربات القوية التي منيت بها الكتائب المسلحة، وحرمان حكومة الوفاق من المزايا العسكرية التي كانت تمتلكها على مسرح العمليات من قواعد تمركز للطائرات المسيرة ومخازن للأسلحة. الأمر الذي أفقدها جانبا من قوتها الرئيسية، ما يهيّئ الفرصة للحديث عن سلام شامل في ظل توازن قوى يميل لصالح الجيش الوطني الليبي، يمكنه من القبض على الكثير من المفاتيح الغائبة طوال الفترة الماضية.

كما يسعى فريق التسوية إلى استثمار المسافة التي تتخذها البعثة الأممية في ليبيا من حكومة السراج، والضجر الواسع في صفوف الشعب الليبي من أداء حكومة الوفاق التي تحالفت مع متطرفين وأغدقت عليهم الأموال، ووضعت البلاد تحت رحمتهم، لتدشين مقاربة تطوي صفحة الكثير من الشخصيات التي أدى استمرارها على رأس السلطة إلى تعطيل مشروع التسوية، لأنه يقضي على طموحاتهم وأحلامهم في مضاعفة حصة المكاسب.

تعطلت التسوية السياسية مع تمسك أصحاب المشروع المناوئ بالحرب، والاستفادة من السهولة التي مكنت أصحابه من تمرير الكثير من صفقات الأسلحة إلى ليبيا برا وبحرا وجوا، وتدفق العناصر الإرهابية. مع تنامي إرهاصات تشير إلى صعوبة الاستمرار في هذا الطريق، قد يجد أنصار السلام نافذة للمضي في مشروعهم، عندما تتيقن بعض الدول الكبرى أن القوة الضاربة للإرهابيين تقلصت إلى أدنى مستوى. وهو ما يحاول من يقفون معهم نفيه عبر القيام بعمليات عنف في أماكن متفرقة تجعل من يعتقدون أن ذخيرة الإرهاب بدأت تنفد يراجعون مواقفهم، والحرب مستمرة ولن تعدم إيجاد الأدوات التي تمكنها من الصمود.

4