تصادم وعدوى

الجمعة 2017/07/21

استمر حضور الصورة الفوتوغرافية بالأسود والأبيض حصريا حتى أواخر القرن الثامن عشر تقريبا، أي حتى تطوير تقنية الصورة الملونة، وبالرغم من أهمية هذا الاكتشاف التقني/الفني لم يهجر عدد كبير من أهم المصورين الفوتوغرافيين إنتاج صورهم بالأسود والأبيض، ويعود ذلك إلى اعتبارهم أن “ألوان” الصورة الملونة غير وفية للألوان الطبيعية الحاضرة في الواقع.

قد يبدو رأيهم هذا غريبا بعض الشيء، إذ كيف للأسود والأبيض القدرة على تمثيل حقيقة الواقع بشكل أفضل من ألوان، وإن كانت هذه الأخيرة ليست وفية بالتمام لما تنقله؟

وقد يكون الحديث عن الصورة الملونة في مواجهة الصورة الخالية من الألوان حديثا قد استُنفد ولم يعد بالأهمية التي كان عليها في البدايات، لا سيما أن كل مصور يمكنه أن يختار ما يشاء من تقنية تصويرية تحبذ اللون أو تتفاداه، كما أن تقنية التصوير الفوتوغرافي الديجيتالي صارت تقدم صورة بالغة الجودة من ناحية الألوان، وهي في تطور مطرد على هذا الصعيد.

لكن هذا الحديث تعود له أهميته الآن، لأنه انتقل إلى مستوى آخر من المقاربة، المقاربة التي تبرز في اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية والأفلام السينمائية على حد السواء والتي تضع العالمين، أي المشهد بالأسود والأبيض والآخر الملوّن، في حالة تصادم وتلاقح وعدوى مُتبادلة يطيب التأمل في “اشتراكاتها” الرمزية.

تتشعب تلك “الاشتراكات” مثلها كمثل أي أسلوب تعبير معاصر لم يعد يكتفي بأقل من إعادة تشكيل للعالم الخارجي من خلال رؤى جديدة تخترقها سهام الشك المتواصلة.

اليوم، عندما يختار المصور الفوتوغرافي بلورة صورته بالأسود والأبيض، بالرغم من التقدم الهائل لما يمكن أن تقدمه الصورة الفوتوغرافية الملونة، هو يختار بذلك إيقاف الزمن، ينفي الألوان إلى خارج المعادلة البصرية التي اعتادت العين البشرية أن تتعرف من خلالها على العالم الواقعي.

الصورة بالأسود والأبيض هي صورة خارج الزمن وخارج المكان حتى وإن كانت لمعلم معروف تماما، هكذا يتحول اللون إلى الهش والعابر والمُشتت الأفكار ويصبح اللالون هو التعبير عن الحقيقة والديمومة، ومهما بلغت درجة التناقض ما بين الألوان في اللوحة التشكيلية أو الصورة الفوتوغرافية الواحدة، فلن تكون بنفس الشدة أو القسوة عندما تكون محصورة فقط بالأسود والأبيض وبتدرجات الظلال المتوالدة منهما.

ولعل الأفلام السينمائية من أمثال "غاتكا" وفيلم "شندلر ليست"، لكونها صورا مُتحركة، هي أكثر إشارة إلى هذا اللقاء الغرائبي بين اللالون واللون.

فيلم “بليزنت فيل” على سبيل المثال، مشغول شبه حصري على تحميل اللون وانعدامه كل أجواء وأفكار الفيلم، تنافر بين عالمين وواقعين تعيشه مدينة بليزنت فيل، فالأسود والأبيض في بدايات الفيلم يشيران إلى السأم والبرودة والخداع. سأم وخداع لن يدوما طويلا حينما يجتاح اللون المدينة شيئا فشيئا ويقلب موازين الحياة رأسا على عقب.

ويبقى فيلم "بانز لابيرنتس" للمخرج غيليرمو ديل تورو التحفة الفنية النموذجية، لأنها مشغولة وكأنها مجموعة صور فنية ولوحات تشكيلية متتالية دأبت على إظهار شعرية التصادم الدامي بأسود الواقع القاسي وأبيضه (المرمّز إليه بتدرجات الأزرق) مع ألوان الحلم المتمثلة بالحمرة وتدرجاتها.

ما بين قسوة العالم في زمن الفاشية والعالم الحالم المُلتبس الذي تعيشه أو “تخترعه” بطلة الفيلم “أوفيليا” الفتاة الصغيرة التي تمر بأهوال واقعية وخيالية على حد السواء، يأخذنا المُخرج إلى نهاية في أوج تراجيديتها، حيث يتداخل فيها العالمان بكل أهوالهما، نهاية تراجيدية تبلغ شعريتها القصوى بمشهد الدماء التي تنزفها الفتاة وكل ما يحيط بها، ليس هو إلاّ زرقة بزرقة.

ناقدة لبنانية

17