"تصادُمي".. محاولة يائسة لتغيير الزمن والمصير

"تصادُمي" فيلم خيال علمي بمنحى بوليسي للمخرج جوستن لويس يتناول يثمة الانتقال عبر الزمن.
الاثنين 2018/08/20
دوامة لا نهاية لها

في سينما الخيال العلمي يبرز عامل الزمن بوصفه تحديا، فتحتشد خطوط الدراما الفيلمية لغرض الإحاطة بذلك العامل الفاعل والتعبير عنه، وخلال ذلك يشكل الانتقال عبر الزمن التحدّي الأهم وفي نفس الوقت يعد اختيارا مألوفا ومتداولا منذ بدايات سينما الخيال العلمي، لكنه ليس سهلا على أيّ حال

الذهاب إلى المستقبل يتعدى حدود الصراع المجرد في سينما الخيال العلمي التي تناولت ثيمة الانتقال عبر الزمن، بل إنه يتجه نحو تغيير المصائر حتى صار ذلك حلا مألوفا ومتكررا، لكن الفارق في ما يتعلق بكل فيلم يكمن في طريقة المعالجة المبتكرة والمختلفة التي تجعل من هذه الدراما خطابا مؤثرا يحمل في داخله أبعادا فكرية وفلسفية وإنسانية.

ونستحضر هنا أفلاما من هذا النوع مثل أفلام “ماكنة الزمن” (إنتاج 1960)، و”عالم القرود” (1968)، و”زمن بعد الزمن” (1979)، و”مكان ما في الزمن” (1980)، و”العودة إلى المستقبل” (1984)، و”الفاني” (1985)، و”تردد” (2000)، و”دوني داركو” (2001)، و”ماكنة الزمن” (2002)، و”جرائم الزمن” (2007)، و”الحلقي” (2012)، و”إكس مين” (2013)، وفيلمي “حافة الغد” و”قضاء وقدر” (2014)، و”لوسي” (2015)، و”الدكتور سترينج” (2016)، و”وصول” (2017) وأفلام أخرى.

في الفيلم الجديد “تصادُمي” للمخرج جوستن لويس (إنتاج 2018)، وهو فيلمه الروائي الطويل الثالث الذي يعرض حاليا في الصالات الأميركية، هنالك معالجة تنتمي إلى نفس ذلك النوع الفيلمي في عبور حاجز الزمن وباتجاه تغيير المصائر والأقدار.

يتعلق الأمر بمايا (الممثلة كريستين ماسكولو) التي تخوض رحلة مليئة بالمخاطر لغرض العثور على والدها وتغيير المصير الذي ينتظره والذي يترتب عليه انفصالها عنه وهي صغيرة، ومكابدات شتى سوف تلاحق الأب.

ولعل المفارقة الدرامية بعد رحلة الانتقال عبر الزمن أن باري الأب (الممثل جود موران) لا يستطيع تمييز ابنته فيعدّها ممّن يقتفون أثره ويريدون إيذاءه.

وتتوالى مشاهد العبور بين الأزمنة وتلتبس شخصية مايا بين الماضي والحاضر؛ فأيهما التي في الحاضر وأيهما في الماضي، لكن في موازاة ذلك هنالك من يراقب الأمر كله عن كثب ويقتفي أثر شخص مطلوب للعدالة، ولهذا فإن ولوج مايا عبر الزمن يضعها في شباك الملاحقة.

وفي هذا الإطار تنحو الدراما الفيلمية منحى بوليسيا وتقترب من قصص المطاردة والتحري الذي تبرز فيه أنجليكا (الممثلة إيلنا ديفس)، وهي التي تدخل في سباق مع الزمن لاقتفاء أثر مايا، وبالتالي الوصول إلى والدها الذي تتغير شخصيته بموجب الحقب الزمنية التي يجري الانتقال إليها.

وينتمي الفيلم إلى نوع الأفلام قليلة التكلفة والمحدودة إنتاجيا، ويتضح ذلك جليا من خلال التصوير في الأماكن الحقيقية في أغلب المشاهد الفيلمية.

وفيما يتعلق بالمعالجة المكانية، يلاحظ فقر في التنوع المكاني من جهة، مع عدم التمكن من تجاوز هذا الفقر بحلول بصرية من جهة أخرى، إذ يلاحظ عدم استخدام وحدات الديكور والإضاءة بشكل متقن لتلافي التكرار والرتابة المكانية، وتاليا عدم رسم بناء مكاني مميز يرتبط بكل شخصية على حدة.

وأما على صعيد الدراما الفيلمية فقد أريد لمايا أن تكون هي محور الشخصيات الدرامية، وهي التي تقود مسار الأحداث، لكن في موازاة ذلك لم يكن هنالك الكثير ممّا يمكن التوقف عنده على صعيد الإبهار في التمثيل أو توفر منعطفات حادة تظهر تلك البراعة التي يبحث عنها المشاهد.

ولعل ذلك يعود إلى الحل الدرامي والإخراجي الذي لجأ إليه المخرج فاستنفد المشاهد الفيلمية في عملية جري واختباء لم تتوقف، وترتكز على شخصية مايا نفسها التي وجدت نفسها، بدورها، تدور في دوامة لا نهاية لها، دون أن تقوى على الخروج منها أو أن تأتينا بما هو ملفت للنظر.

ولعل تغيير المصائر فيما يتعلق بأفلام الانتقال عبر الزمن شكل أيضا ظاهرة في هذا النوع الفيلمي، لكننا في هذا الفيلم سوف لن نعثر على إشكاليات خطيرة تتعلق بالشخصية أو بالشخصيات التي يجري تغيير أقدارها ومصائرها كالإنقاذ من الموت مثلا، وهو ما يتكرر في العديد من الأفلام التي عنيت بهذه الثيمة الدرامية المشوّقة.

وزج الفيلم من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بما يسمى نظرية الفوضى ومبدأ الاتساق الذاتي اللذين يقودان تاليا إلى التلاعب بالزمن من خلال مشاهد غير مقنعة تماما، تتمثل في ما يشبه الصعق الكهربائي الذي يجرى للشخصية قبيل التحاقها بزمن آخر مجهول، وهو حل ربما أراد منه المخرج سد الثغرات الدرامية والتباس الأحداث.

وفي موازاة ذلك كله، ولإظهار الفارق بين الأزمنة تم زج مايا وبضع شخصيات أخرى في ما يشبه معسكر للأشغال الشاقة، ولكن من دون أن تتضح جدوى ذلك الانتقال دراميا، والحاصل أن الشخصية تبدو وهي مراقبة دائما وفي ما يشبه المستعمرة المجهولة.

ولعل تلك لازمة مطلوبة في الكثير من الأفلام من هذا النوع، لكن المخرج عجز تماما عن مقاربتها وزج بمشاهد بدت غير ذات جدوى دراميا من خلال بضعة كمبيوترات وعمليات صعق كهربائي وبضع شاشات للإيحاء أننا في زمن آخر، بينما الشخصيات لا تقوى على الانتقال بنا إلى ما هو مبهر واستثنائي.

16