تصاعد الإرهاب المتنقل في الساحل الأفريقي

الاثنين 2018/01/29
ضحايا الإرهاب في كل مكان

مثلما خلف انحسار تنظيم داعش في سوريا والعراق صعودا لنمط الذئب المنفرد في أرجاء العالم خاصة في الدول الغربية، ما طرح تحديا معقدا أمام قدرة أجهزة الأمن على الاستباق المبكر لضرباته، فإن الضغوط العسكرية الإقليمية والدولية المتواصلة للقضاء على جماعات الإرهاب في الساحل الأفريقي، يكشف المخاوف من انتقال تكتيك الإرهاب المتنقل إليها.

وشهدت مدينة ميدجوري شمال شرقي نيجيريا خلال شهر يناير الجاري عمليات انتحارية لجماعة "بوكو حرام" سواء تجاه معسكرات للنازحين، أو أحد المساجد بالقرب من الحدود النيجيرية مع الكاميرون، بل إن بوكو حرام عاودت في الشهر نفسه اختراق الحدود لتهاجم منطقة ديفا جنوب شرق النيجر، حيث قتلت خمسة جنود بالمنطقة، وسرقت أغذية، وماشية من السكان المحليين.

في مالي أيضا، أعلن تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، الذي يقوده عدنان أبوالوليد الصحراوي خلال شهر يناير الجاري، مسؤوليته عن هجوم انتحاري ضد قوة “برخان” الفرنسية في شرقي البلاد، بل إن التنظيم، الذي كان قد أعلن ولاءه لتنظيم داعش في العام 2015، تبنى كذلك هجوما آخر ضد قوة خاصة أميركية في شمال النيجر يعود تاريخه إلى شهر أكتوبر الماضي.

اللافت أن تكتيك الإرهاب المتنقل طال ليبيا ذاتها، كخاصرة أساسية لتفاعلات التنظيمات الإرهابية في الساحل الأفريقي، فعلى الرغم من أن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده خليفة حفتر استطاع هزيمة التنظيمات الإرهابية في أحد معاقلها الأساسية في بنغازي شرقي البلاد، وإعلانه تطهير المدينة منها، إلا أن تفجير بنغازي المزدوج الأخير جاء ليطرح تساؤلا حول ما إذا كانت هنالك خلايا صغيرة متنقلة للإرهابيين في المدينة لديها القدرة على شن هجمات انتقامية لإرهاق الجيش الوطني.

يسعى تكتيك الإرهاب المتنقل إلى إضعاف وإرباك جهود الحكومات وتحالفاتها الإقليمية والدولية لمكافحة التطرف في الساحل الأفريقي

وتفسر عدة تطورات أساسية مدى تكيف الجماعات الإرهابية في الساحل الأفريقي مع الضغوط الأمنية، أولا، الانتقال إلى نمط الهجمات الإرهابية المتنقلة مع توسيعها لتعبر الحدود، لما تنطوي عليه من عنصر مفاجأة، وإرهاق لأجهزة الأمن، وإحداث خسائر مرتفعة في الخصوم، ثم الفرار إلى أماكن اختباء مختلفة ومتعددة، بحيث لا تتمكن أجهزة الأمن من رصد عناصرها.

ثانيا، نشوء تقارب بين جماعات إرهابية مختلفة الانتماءات (داعش والقاعدة) ، فبينما فشلت الأولى في منطق التوطن الجغرافي، فإن الثانية، تمارس خبرة الإرهاب المتنقل منذ عقود، دون إعلان خلافة إسلامية على جغرافيا بعينها، كما حال تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي.

وبرغم الخلافات الأيديولوجية بين هذه الجماعات، إلا أنها تقاربت على خلفية وجود عدو مشترك، من جهة، وتوظيف التشابكات العابرة للحدود في ما بينها في إطار مفهوم الجهاد العالمي لدعم بعضها البعض، عبر عناصر التجنيد أو التمويل أو التدريب، من جهة ثانية.

ثالثا، استغلال الطبيعة الرخوة والمتداخلة للحدود في الساحل الأفريقي لإنجاح تكتيك الإرهاب المتنقل، فمثلا، فإن جماعة كبوكو حرام يعتمد أغلب أعضائها على قبيلة الكانوري التي تمتد عبر الحدود إلى النيجر وتشاد والكاميرون، وكذلك، الأمر بالنسبة لجماعات جهادية ذات أبعاد قبلية مثل، أنصار الدين الطوارقية في شمال مالي، والتي تتواصل مع جنوب ليبيا، وشمال النيجر وبوركينا فاسو.

ويسعى تكتيك الإرهاب المتنقل وما يرافقه من تحالفات جهادية إلى إضعاف وإرباك جهود الحكومات وتحالفاتها الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب في الساحل الأفريقي. فمثلا، أفقدت هجمات بوكو حرام المستمرة في شمال شرق نيجيريا حكومة الرئيس النيجيري محمد بخاري مصداقيتها حول هزيمة الجماعة. بالمثل أيضا، فإن استمرار الهجمات الإرهابية في شمال مالي وتوسعها للوسط يعيق إنفاذ اتفاق السلام والمصالحة في هذا البلد، الذي وقع في العام 2015.

وتبعث التنظيمات الإرهابية عبر هجماتها المستمرة برسالة مفادها أنها لا تزال قوية، وأن الانشقاقات لم تنل من بنيتها التنظيمية. ولعل ذلك بدى واضحا في ظهور زعيم بوكو حرام أبي بكر شيكاو في شريط فيديو في مطلع يناير الجاري، ليقول إن جماعته لم يلحق بها أذى، بل تضمن الشريط لقطات تظهر فتيات مختطفات من بلدة تشيبوك لا يزلن بحوزة الجماعة منذ أبريل 2014، رغم الإفراج عن بعضهن في إطار صفقة بين الحكومة والجماعة.

ويمنح ذلك الظهور لشيكاو رصيدا أعلى لدى حركة الجهاد العالمي خاصة في أفريقيا، خاصة أن بوكو حرام كانت قد تعرضت قبل عامين إلى انشقاق مجموعة بقيادة أبي مصعب البرناوي التي ترفض مهاجمة المدنيين، وتركز أكثر على الأهداف العسكرية، حتى لا يؤثر ذلك على قدرة الجماعة على تجنيد أعضاء جدد فيها، وفضل داعش البرناوي على شيكاو في أغسطس 2016 ليكون حاكما لولاية مزعومة في غرب أفريقيا.

وفي ظل تصاعد الإرهاب المتنقل في الساحل الأفريقي، تظل التساؤلات مطروحة حول ما إذا كانت الجهود العسكرية الإقليمية والدولية ستسهم وحدها في اجتثاث ظاهرة الإرهاب من المنطقة، أم أنها ستشكل محفزا لتكيف الإرهابيين وانتقالهم إلى أطوار وتكتيكات جديدة من العنف.

باحث في الشؤون الأفريقية

6