تصاعد التهديدات يكشف قصور حماية المبلغين عن الفساد في تونس

الفساد يضرب، خاصة في القطاع العام، قيم المواطنة والثقة في المنظومة القائمة ومن إمكانية إصلاحها.
الاثنين 2020/11/30
بارونات الفساد اخترقوا هياكل الدولة

يظهر تصاعد التهديدات ضد المبلغين عن شبهات الفساد في تونس رغم إقرار العديد من التشريعات والنصوص القانونية التي تهدف إلى مكافحة هذه الظاهرة، أن ثمة حقلة مفقودة لتحقيق أهداف هذا المسار، وقد انعكس ذلك من خلال المخاوف المتنامية من غياب سند يحصنهم من المضايقات في ظل هشاشة المنظومة التي أثبتت أن بها أوجه قصور كثيرة.

تونس – عندما صادق البرلمان التونسي في فبراير 2017 على قانون يحمي المبلغين عن حالات الفساد، كان الجميع ينظر إليه على أنه ركيزة أساسية في مسار محاصرة اللوبيات ومكافحة الفساد المستشري في المؤسسات العمومية، غير أن تلك الخطوة اصطدمت بغياب إرادة سياسية جعلت من كاشفي تلك العمليات المشبوهة تحت التهديد.

وتعطي الحلول الراهنة لمحة عن أن هناك حلقة مفقودة في العمل على هذا المسار وربما تتقهقر العملية برمتها إذا لم يتم أخذ الأمور بجدية أكبر على الرغم من الإصرار الكبير، الذي تبديه السلطات أو حتى المنظمات العاملة في هذا المجال من أجل اقتلاع جذور هذه الآفة بالطرق القانونية.

حاتم المليكي: هناك انتقام للفاسدين من المبلغين تحت أجهزة الدولة
حاتم المليكي: هناك انتقام للفاسدين من المبلغين تحت أجهزة الدولة

ويثير تزايد حالات تعرض العديد من المبلغين عن قضايا فساد إلى المضايقات والتهديدات تصل إلى تهديد حياتهم، في ظل جدل قانوني وسياسي واجتماعي، الشكوك لدى المراقبين حول مدى قدرة المنظومة القانونية الحالية على محاسبة الفاسدين.

وعلى سبيل المثال، تواجه نوال المحمودي، وهي مسؤولة بارزة في وزارة الصحة ومسؤولة عن المراقبة الصحية بميناء سوسة تهديدات بالتصفية الجسدية بسبب فضحها لقضية فساد في الميناء، وكان يفترض أن تكون تحت حماية ذلك القانون.

ولكن من الواضح أن عجز المسؤولين في اتخاذ الإجراءات اللازمة جعل المحمودي، التي تعرضت للتهديد بالقتل، تستنجد برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الداخلية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وهذا السبب يبدو كافيا ليوضح مدى قصر فاعلية قانون حماية المبلغين عن الفساد المثير للجدل.

وليس ذلك فحسب، بل إن هذه المشكلة تهدد مسار الانتقال الديمقراطي الذي تحاول تونس المضي قدما فيه لترسيخ أسس دولة تقوم على العدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وذلك بالنظر إلى أن الفساد كان من بين أبرز الملفات التي أدت إلى الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

ودخلت أطراف سياسية على الخط حيث كثفت من تحركاتها مطالبة بضرورة توفير الحماية اللازمة للمبلغين عن قضايا الفساد التي تطال مؤسسات الدولة وأمن الدولة، فضلا عن تفعيل التشريعات المتعلقة بالمسألة، فهل ينجحون في مساعيهم من وراء هذا الضغط.

ويرى النائب بالبرلمان حاتم المليكي أن الإطار التشريعي موجود وهيئة مكافحة الفساد ملزمة بتوفير الحماية عندما يتعرض المبلغون للمضايقات والتهديدات، بيد أنه أشار في تصريحات لـ”العرب” إلى أن تونس تفتقد في ثقافتها إلى ضرورة حماية المبلغين، في ظل النفوذ السياسي القائمة وأيادي السياسيين الطولى، وثمة صعوبة في تفعيل هذا القرار وتطبيقه.

وهناك تبيض للفساد في تونس وآلة إدارية تتحكم فيها شبكات الفساد للضغط عليهم وتحرمهم من حقوقهم الأساسية، كما يرى المليكي الذي قال “للأسف القانون موجود لكنه غير مفعل، وهناك انتقام للفاسدين من المبلغين تحت أجهزة الدولة، ويفترض تشديد العقوبة على هؤلاء الذين يعتمدون الابتزاز والترهيب”.

وعلى الرغم من ترسانة القوانين، التي توفر الحماية للمبلغين عن قضايا الفساد، إلا أن أطرافا رسمية عبرت عن امتعاضها من تواصل التهديدات والمضايقات ضدهم، ما يهدد حياتهم وممتلكاتهم.

وتؤكد ماجدة بن أحمد مستشارة قانونية بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في تصريح لـ”العرب”، “أن المحمودي، كمثال، لا تزال تتعرض للهرسلة والتهديد بالتصفية الجسدية، ومكنتها الهيئة من توفير الحماية الأمنية لها”.

ومن الواضح أن التشريعات القانونية غير كافية، وفق بن أحمد، فقد تلقت الهيئة أكثر من 800 مطلب حماية و200 قرار إسناد بالحماية، فضلا عن تنفيذ أربعين قرارا بالحماية الأمنية وتمت إحالة ثلاثين ملفا على القضاء متعلقة بالهرسلة وسبعين قرارا ما زالت للطعن في المحاكم.

الفساد في القطاع العام يتصدر المشهد مرة أخرى، فبناء على بلاغات هيئة مكافحة الفساد ثمة 871 موظفا محل شبهة فساد ممن استغل الظرف الصحي لمصالح خاصة

وأثارت أرقام تتعلق بملفات فساد جدلا واسعا حيث وضعت السلطات التشريعية منذ سنوات الكثير من القوانين التي تستهدف مكافحة الفساد بيد أن الظاهرة استفحلت أكثر. ووفق أرقام رسمية كشفت هيئة مكافحة الفساد عن تلقيها أكثر من 39 ألف ملف فساد وتمت إحالة أكثر من 1800 على القضاء.

وآخر ما بلغت عنه المحمودي، ملف القمح المستورد الذي يحتوي على حبوب مسرطنة وتم خلطه بالقمح السليم وتأكد ما صرحت به بعد ثبوت التحاليل أنه مسرطن وتمت إقالة رئيس مدير عام ديوان الحبوب التابع لوزارة الفلاحة.

وأشار مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان في تقريره نصف السنوي الثاني للفترة الممتدة من أبريل إلى نهاية سبتمبر الماضيين، الذي غطّى جوانب مهمة ومؤثرة على مسارات التحول نحو الديمقراطية وتكريس حقوق الإنسان، إلى أرقام صادمة حول الفساد.

وتصدّر الفساد في القطاع العام المشهد مرة أخرى، فبناء على بلاغات هيئة مكافحة الفساد ثمة 871 موظفا محل شبهة فساد ممن استغل الظرف الصحي لمصالح خاصة، وتوزعت أرقام الفساد على جميع ولايات الجمهورية وهو ما أثبت مرة أخرى أن الفساد عائق رئيسي في مشروع إصلاح الدولة والتحول نحو الديمقراطية.

ويضرب الفساد، خاصة في القطاع العام، قيم المواطنة والثقة في المنظومة القائمة ومن إمكانية إصلاحها، وخلص التقرير إلى أن الفساد هو المتهم الأول في ضرب إعادة الصلة بين المواطن والدولة، كما هو شأن هيمنة الصراع السياسي على إدارة دواليب الدولة وعودة التيارات الشعبوية وضعف الأحزاب.

6